الأهرام

دارالأهرامللإصداراتالقانونية

El Ahram Legal Publications

نرتقي بالفكر القانوني

تابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربيةتابعنا على إنستجرام: dar_elahramتابع صفحتنا على فيسبوكواتساب الأعمال: تواصل معنا مباشرةاتصل بنا:+20 12 81000003راسلنا: info@darelahram.comالسبت - الخميس: 9 ص - 6 مشحن لجميع محافظات مصر والدول العربية
القانون الجنائي · 16 دقائق للقراءة

التطبيقات القضائية للمادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية رقم (174) لسنة 2025 دراسة تحليلية في ضوء قضاء محكمة النقض وتحولات السياسة العقابية الحديثة

بقلم أ/ ألبير أنسي

٧ أغسطس ٢٠٢٦ 9 مشاهدة
التطبيقات القضائية للمادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية رقم (174) لسنة 2025 دراسة تحليلية في ضوء قضاء محكمة النقض وتحولات السياسة العقابية الحديثة

التطبيقات القضائية للمادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية 

رقم (174) لسنة 2025

 دراسة تحليلية في ضوء قضاء محكمة النقض 

وتحولات السياسة العقابية الحديثة

لا يستنفد النص التشريعي معناه بمجرد اكتمال أداة إصداره، ولا تتحدد قيمته القانونية بما تنبئ عنه عباراته في صورتها المجردة فحسب؛ ذلك أن التشريع، وإن كان يضع القاعدة في عمومها وتجريدها، فإن القضاء هو الذي يختبرها في واقع الخصومة، ويكشف عن حدودها، ويعين موقعها من النظام القانوني، ويصل ما قد يبدو منفصلًا منها بالمبادئ العامة التي تحكم بنيان التشريع كله. ومن هنا لا يكون العمل القضائي مجرد إنزال آلي للنص على الواقعة، وإنما يسهم – في الحدود التي رسمها القانون – في الكشف عن مضمونه وضبط نطاقه وتحديد آثاره.

وتبدو أهمية هذه الوظيفة على نحو أوضح كلما كان النص مستحدثًا، أو كان منطويًا على حكم تتجاوز آثاره التقسيم التقليدي بين القانون الموضوعي والقانون الإجرائي. ففي هذه الحالة لا يعود السؤال مقصورًا على ماذا يقول النص؟ وإنما يمتد بالضرورة إلى سؤال أعمق: ما طبيعته القانونية؟ وأين يقع داخل النظرية العامة للقانون الجنائي؟ وما النظام الزمني الذي يخضع له؟

ومن هذه الزاوية تكتسب المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم (174) لسنة 2025 أهميتها الخاصة؛ إذ لم يقتصر المشرع فيها على استحداث حالة أخرى من حالات الصلح الجنائي، وإنما أقام نموذجًا متميزًا في بنيته وأثره، يختلف عن صور الصلح والتصالح التي نظمها في المواد السابقة واللاحقة عليها.

فالمشرع لم يجعل الصلح في الجرائم الواردة بالمادة (22) سببًا لانقضاء الدعوى الجنائية، على نحو ما فعل في المادة (21)، ولم يجعله تسوية تنتهي بها الخصومة وفق النظام الخاص الذي رسمته المادة (23)، وإنما أبقى الجريمة قائمة، والدعوى الجنائية قائمة، وحق الدولة في العقاب قائمًا، ثم رتب على الصلح أثرًا ينفذ مباشرة إلى العقوبة ذاتها، فأوجب تخفيفها وفقًا لحكم المادة (17) من قانون العقوبات.

وهنا تكمن – في تقديرنا – خصوصية النص ومصدر الإشكال فيه معًا.

ذلك أن الصلح لم يعد، في نطاق المادة (22)، واقعة تقع خارج البنيان العقابي فتنهي الخصومة، وإنما أصبح واقعة قانونية تدخل في هذا البنيان وتؤثر في مقدار الجزاء الواجب توقيعه. وبعبارة أدق: لم يمنح المشرع ورثة المجني عليه سلطة إسقاط حق الدولة في العقاب، وإنما منح لإرادتهم – متى اتجهت إلى الصلح واستوفت شروطه – أثرًا قانونيًا يعيد تشكيل هذا العقاب.

وبذلك تقف المادة (22) عند منطقة دقيقة بين الحق العام والإرادة الخاصة؛ فلا الدولة تتخلى عن سلطانها في العقاب، ولا إرادة الورثة تبقى مجرد واقعة اجتماعية عديمة الأثر في تقديره. وإنما تتداخل الإرادتان داخل نموذج تشريعي جديد: تحتفظ فيه الدولة بأصل العقاب، بينما يعترف القانون للصلح بأثر في درجة هذا العقاب وحدوده.

وهذه الخصوصية هي التي أثارت منذ صدور القانون إشكالية أولية لا غنى عن حسمها قبل بحث أي أثر آخر للنص: هل العبرة في تحديد الطبيعة القانونية للمادة (22) بموضعها داخل قانون الإجراءات الجنائية، أم بطبيعة الأثر الذي ترتبه؟

فإذا غلبنا المعيار الشكلي، بدا النص إجرائيًا بحكم موضعه التشريعي. أما إذا اعتدنا بالمعيار الوظيفي، فإن الأمر يختلف؛ لأن النتيجة التي يرتبها الصلح لا تتعلق بشكل الخصومة أو إجراءات مباشرتها، وإنما تمس مقدار العقوبة التي يجوز إنزالها بالمتهم، ومن ثم تمس مركزه الموضوعي ذاته.

ولم تكن المسألة نظرية محضة؛ إذ ترتب على تكييفها أثر بالغ الخطورة في تحديد القانون الواجب التطبيق من حيث الزمان، ولا سيما أن القانون رقم (174) لسنة 2025 صدر مع إرجاء العمل بأحكامه، بينما كانت أمام المحاكم دعاوى عن وقائع سابقة لم تكن قد استقرت بأحكام باتة.

وهنا برز السؤال الذي كان يتعين على القضاء أن يجيب عنه: هل ينتظر تطبيق المادة (22) حلول تاريخ نفاذ القانون باعتبارها واردة في قانون إجرائي، أم يكفي صدورها لإعمالها على الوقائع السابقة التي لم يفصل فيها بحكم بات متى كانت أصلح للمتهم إعمالًا للمادة الخامسة من قانون العقوبات؟

ولم يكن هذا السؤال منفصلًا عن اتجاه سابق لمحكمة النقض في شأن القانون رقم (1) لسنة 2024، الذي استحدث استئناف أحكام الجنايات؛ فقد استقر قضاؤها بشأنه على أن إنشاء طريق جديد للطعن، مهما انطوى عليه من ضمانة للمتهم، يظل حكمًا إجرائيًا، وأن مجال إعمال قاعدة القانون الأصلح للمتهم يتعلق – في الأصل – بالقواعد الموضوعية لا الإجرائية.

ومن ثم كان موقف محكمة النقض من المادة (22) كاشفًا عن معيار بالغ الأهمية: ليس كل ما يرد في قانون الإجراءات الجنائية إجرائيًا بطبيعته، كما أن مجرد ما يحققه النص من فائدة للمتهم لا يكفي لاعتباره قانونًا أصلح؛ وإنما العبرة بحقيقة الأثر الذي يحدثه في مركزه القانوني. فإذا تعلق الأثر بطريق الطعن ظل إجرائيًا، أما إذا نفذ إلى العقوبة ذاتها وغير مقدارها، فقد دخل – من هذه الزاوية – في المجال الموضوعي الذي تحكمه قاعدة القانون الأصلح.

وقد بدأت معالم هذا الاتجاه تظهر في قضاء محكمة النقض منذ الطعن رقم 19036 لسنة 93 قضائية – جلسة 6 ديسمبر 2025، حين اعتبرت أن ما استحدثه القانون رقم 174 لسنة 2025 من جواز إثبات الصلح في الجرائم التي تناولتها المادة (22)، وما رتبه عليه من تخفيف العقوبة وفقًا للمادة (17) من قانون العقوبات تفاديًا للعقوبة الأشد، يتحقق به معنى القانون الأصلح للمتهم ولو أُرجئ نفاذه إلى أجل، وإن انتهت في الدعوى ذاتها إلى انتفاء موجب إعمال النص لعدم تقديم ما يفيد حصول الصلح.

ثم تجاوز الأمر مرحلة تقرير الطبيعة القانونية للنص إلى التطبيق الإيجابي له في الطعن رقم 1436 لسنة 95 قضائية – جلسة 2 فبراير 2026؛ إذ قررت محكمة النقض أن المادة (22)، بما توجبه عند تحقق الصلح من تخفيف العقوبة وفق المادة (17) من قانون العقوبات، تعد قانونًا أصلح للمتهم في مفهوم المادة الخامسة من قانون العقوبات، وأنها تسري على واقعة الدعوى منذ صدور القانون دون أن يتراخى ذلك إلى تاريخ العمل به، ما دامت الدعوى لم تنته بحكم بات؛ مميزة في ذلك بين نفاذ القانون بوصفه شرطًا لتطبيقه على الجرائم اللاحقة، وبين صدوره بوصفه كافيًا لإعمال أثره الرجعي متى كان أصلح للمتهم.

ثم اكتمل أحد أهم جوانب البناء القضائي للمادة في الطعن رقم 436 لسنة 95 قضائية – جلسة 17 فبراير 2026، حين أكدت المحكمة وجوب تطبيق القانون الأصلح بمجرد صدوره، وإمكان إعماله من محكمة النقض من تلقاء نفسها متى توافرت موجباته، لكنها في الوقت ذاته رفضت إعمال المادة (22) لعدم تقديم المحكوم عليه ما يفيد تصالحه مع ورثة المجني عليه أو طلبه أجلاً لذلك إبان نظر الطعن.

وتكشف هذه التطبيقات عن دقة المنهج الذي تبنته محكمة النقض؛ فهي لم تخلط بين أصلحية القانون وبين تحقق شروط الانتفاع به. فالأولى وصف موضوعي للنص يستخلص من مقارنة النظامين العقابيين، أما الثانية فمسألة تتوقف على قيام الواقعة التي رتب المشرع عليها أثر التخفيف، وهي الصلح الثابت قانونًا.

ومن ثم، فإن مجرد صدور المادة (22) لا يؤدي بذاته إلى تخفيف العقوبة، مثلما أن عدم تحقق الصلح لا ينفي عنها وصف القانون الأصلح. فالنص أصلح في ذاته، ولكن أثره يظل معلقًا على تحقق شرطه. وهذه التفرقة، على بساطتها الظاهرة، تمثل أحد أهم المفاتيح لفهم التطبيقات القضائية للمادة.

كما تكشف هذه الأحكام عن أن محكمة النقض لم تتعامل مع الصلح باعتباره وسيلة للإفلات من العقاب، وإنما بوصفه عنصرًا جديدًا أدخله المشرع في سياسة تفريد الجزاء. فالصلح لا يمحو الجريمة، ولا يهدر الحكم بالإدانة، ولا ينقل سلطة العقاب من الدولة إلى ورثة المجني عليه، وإنما يفرض إعادة النظر في مقدار الجزاء بعد أن طرأ على العلاقة الناشئة عن الجريمة عامل جديد اعتبره المشرع جديرًا بالاعتداد.

وهنا تبرز الفكرة التي تقوم عليها هذه الدراسة؛ وهي أن المادة (22) قد تكون بصدد إنشاء صورة تختلف عن الصلح الجنائي في مفهومه التقليدي، ويمكن وصفها – في تقديرنا – بأنها صورة من «الاندماج العقابي للصلح الجنائي»؛ إذ لا يعمل الصلح خارج النظام العقابي بإنهائه، وإنما يندمج فيه ويصبح عنصرًا من عناصر تحديد الجزاء.

ومن هذا المنطلق، لا تستهدف هذه الدراسة مجرد رصد الأحكام التي صدرت تطبيقًا للمادة (22)، وإنما تسعى إلى استقراء النظرية القانونية التي تتكون من مجموعها: بدءًا من تحديد الطبيعة الموضوعية للأثر الذي يرتبه النص، مرورًا بنطاق سريانه الزمني وصلته بالقانون الأصلح للمتهم، وانتهاءً بشروط إعماله أمام محكمة النقض وموقع إرادة الورثة من سلطة الدولة في العقاب.

كما تتناول الدراسة ما يثيره التطبيق من مسائل لم يحسمها النص تفصيلًا، وفي مقدمتها كيفية إثبات الصلح، وأثر تعدد الورثة، ومركز القاصر بينهم، وطبيعة الوكالة الخاصة، وحدود طلب الأجل لإتمام الصلح أمام محكمة النقض، فضلًا عن تفسير اختيار المشرع إنهاء إمكانية الصلح في المادة (22) عند صيرورة الحكم باتًا، بينما أجاز في المادة (21) امتداد أثره إلى ما بعد البات.

وبذلك لا يكون موضوع البحث هو الصلح باعتباره إجراءً فحسب، وإنما التحول الذي أحدثه المشرع في فلسفة العقوبة ذاتها: من جزاء يتحدد بالنظر إلى الجريمة ومرتكبها وحدهما، إلى جزاء يسمح – في الحدود التي رسمها القانون ودون التفريط في الحق العام – بأن يكون لما طرأ بعد الجريمة من استعادة للسلم الاجتماعي أثر في تحديد مقداره.

وهذا هو، في جوهره، السؤال الذي تحاول الدراسة الإجابة عنه: هل استحدثت المادة (22) مجرد حالة جديدة من حالات الصلح، أم أنها دشنت مرحلة جديدة يصبح فيها الصلح أحد عناصر البناء القانوني للعقوبة ذاتها؟

والراجح لدينا – على ما ستكشف عنه الدراسة – هو الفرض الثاني.

تأسيس محكمة النقض لمفهوم القانون الأصلح للمتهم في نطاق المادة (22) 

من قانون الإجراءات الجنائية رقم (174) لسنة 2025

دراسة تحليلية في الطبيعة القانونية للنص وأثره الزمني

يقوم القانون الجنائي من حيث الزمان على أصلين متقابلين، لا يستقيم أحدهما بغير الآخر: أولهما عدم رجعية القانون الجنائي الأشد، بوصفه نتيجة لازمة لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات؛ وثانيهما رجعية القانون الأصلح للمتهم، باعتبارها الوجه الآخر للشرعية ذاتها حين يتغير التقدير التشريعي للواقعة أو للجزاء المقرر لها.

فإذا كانت الشرعية تحول دون أن يفاجأ الفرد بعد ارتكاب الفعل بتجريم لم يكن قائمًا أو بعقوبة أشد لم تكن مقررة، فإن العدالة تأبى – في المقابل – أن يظل خاضعًا لقانون أشد بعد أن يكون المشرع نفسه قد عدل عن شدته، واستبدل به تنظيمًا أقل وطأة، ما دام مركزه الجنائي لم يستقر بحكم بات.

ومن ثم، فإن رجعية القانون الأصلح ليست استثناءً عارضًا على مبدأ عدم الرجعية بقدر ما هي استكمال لمنطقه وضمان لوحدته؛ لأن المشرع، متى أعاد تقييم الجريمة أو العقوبة على نحو أكثر رفقًا بالمتهم، يكون قد أفصح عن أن التنظيم السابق لم يعد – في تقديره التشريعي الراهن – لازمًا بالقدر الذي كان عليه.

وقد صاغت المادة الخامسة من قانون العقوبات هذا الأصل حين قررت:

"يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها، ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائيًا قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره.."

والدلالة التي ينبغي الوقوف عندها في عبارة النص أن المشرع علق إعمال القانون الأصلح على صدوره بعد وقوع الفعل وقبل الحكم النهائي، ولم يجعل مناط ذلك بدء العمل به بالنسبة إلى المستقبل. وهذه الدلالة ستصبح لاحقًا ذات أهمية حاسمة في قضاء محكمة النقض بشأن المادة (22) من القانون رقم 174 لسنة 2025.

غير أن تطبيق المادة الخامسة يفترض ابتداءً تحديد طبيعة القاعدة الجديدة؛ ذلك أن نظام القانون الأصلح يتعلق – بحسب الأصل – بالقواعد الجنائية الموضوعية التي تمس التجريم أو العقاب أو الأسباب المؤثرة فيهما، بينما تخضع القواعد الإجرائية للأثر المباشر للقانون الجديد من وقت نفاذه، مع بقاء ما تم صحيحًا من الإجراءات في ظل القانون الذي كان يحكمها.

ومن هنا تحديدًا نشأت الإشكالية التي طرحتها المادة (22).

فالنص ينتمي من حيث موضعه التشريعي إلى قانون الإجراءات الجنائية، ولكنه ينتمي من حيث أثره القانوني إلى مجال العقوبة؛ إذ لم يقتصر على تنظيم إجراء من إجراءات الخصومة، وإنما رتب على الصلح نتيجة لازمة هي تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة (17) من قانون العقوبات.

وبذلك أصبح القضاء أمام سؤال يسبق تطبيق النص ذاته:

هل يتحدد وصف المادة (22) بحسب القانون الذي احتواها، فتكون إجرائية لأنها وردت في قانون الإجراءات الجنائية؛ أم يتحدد بحسب طبيعة الأثر الذي تحدثه، فتكون موضوعية – من زاوية سريان القانون الجنائي من حيث الزمان – لأنها تغير النتيجة العقابية التي يجوز أن تنتهي إليها الدعوى؟

والسؤال ليس نظريًا؛ لأن الإجابة عنه هي التي تحدد اللحظة التي يبدأ عندها المتهم في الإفادة من النص.

فإن كانت المادة قاعدة إجرائية محضة، تعين انتظار نفاذها وفق القواعد المنظمة لسريان القوانين الإجرائية. أما إن كان أثرها موضوعيًا وأصلح للمتهم، فإن المادة الخامسة من قانون العقوبات تستدعيها إلى الوقائع السابقة بمجرد صدور القانون، ما دام لم يصدر فيها حكم بات.

وهنا كان لمحكمة النقض أن تؤسس أحد أهم المبادئ التي كشفت عنها التطبيقات الأولى للقانون الجديد.

أولًا: المعيار الوظيفي في تحديد طبيعة القاعدة الجنائية

لم تنطلق محكمة النقض – في تقديرنا – من تصنيف شكلي للنصوص بحسب أبواب التقنين الذي وردت فيه، وإنما من معيار أكثر دقة: موضوع القاعدة وأثرها القانوني المباشر.

والدليل الأوضح على ذلك لا يستفاد من أحكام المادة (22) وحدها، وإنما يظهر بصورة أجلى عند مقارنتها بموقف المحكمة من القانون رقم (1) لسنة 2024 الذي استحدث نظام استئناف أحكام محاكم الجنايات.

فقد عرض على محكمة النقض من قبل القول بأن استحداث درجة ثانية للتقاضي في مواد الجنايات يمثل قانونًا أصلح للمتهم، باعتبار ما يتيحه له من ضمانة إضافية ومراجعة موضوعية للحكم.

إلا أن المحكمة رفضت هذا التصور.

ففي الطعن رقم 10977 لسنة 91 قضائية – جلسة 18 يناير 2024 قررت المحكمة – في جوهر مبدئها – أن الحكم يخضع من حيث جواز الطعن فيه وعدمه للقانون الساري وقت صدوره، وأن طرق الطعن في الأحكام الجنائية ينظمها القانون القائم وقت صدور الحكم، فلا يرتد الطريق الجديد للطعن إلى الأحكام التي صدرت صحيحة في ظل القانون السابق؛ وأن كل إجراء تم صحيحًا في ظل قانون يظل صحيحًا وخاضعًا لأحكامه؛ وأن التمسك بقاعدة القانون الأصلح للمتهم لا يغير من ذلك، لأن مجال إعمال تلك القاعدة يمس في الأصل القواعد الموضوعية لا الإجرائية، فضلًا عن أن القانون رقم 1 لسنة 2024 حدد صراحة نطاق سريانه.

وتبدو أهمية هذا القضاء بالنسبة إلى المادة (22) في أنه يقدم المقابل المنهجي الذي ينبغي أن تقرأ على ضوئه أحكامها.

فمحكمة النقض لم تقل إن كل تعديل تشريعي يحقق فائدة للمتهم يصبح لهذا السبب وحده قانونًا أصلح. ولو كان معيار الأصلحية هو مجرد المنفعة، لكان إنشاء درجة ثانية للتقاضي من أوضح صورها.

لكن المحكمة رفضت ذلك لأن المنفعة هنا إجرائية؛ تتعلق بالطريق الذي يراجع به الحكم، ولا تغير بذاتها التجريم أو العقوبة.

أما المادة (22)، فإنها لا تمنح المتهم مجرد وسيلة إجرائية إضافية، بل تغير – عند تحقق الصلح – العقوبة التي يجوز قانونًا توقيعها عليه.

ومن هنا يمكن استخلاص قاعدة منهجية أعمق:

ليس كل قانون أنفع للمتهم قانونًا أصلح له بالمعنى المقصود في المادة الخامسة من قانون العقوبات؛ وإنما تكون الأصلحية حين ينفذ أثر القانون الجديد إلى مركزه الجنائي الموضوعي، ولا سيما التجريم أو العقوبة أو الأسباب القانونية المؤثرة فيهما.

وعلى هذا الأساس، فإن وصف المادة (22) بالقانون الأصلح لا يرجع إلى أنها توسع ضمانات الدفاع، ولا إلى أنها تسهل إجراءً من إجراءات الخصومة، وإنما إلى أنها تستحدث – عند تحقق الصلح – سببًا قانونيًا واجب الاعتداد به في تخفيف الجزاء.

وهذا، في تقديرنا، هو الأساس الحقيقي للطبيعة الموضوعية لأثر النص.

ثانيًا: الطعن رقم 19036 لسنة 93 قضائية وبداية التأسيس القضائي للمادة22: - 

ظهر هذا التكييف بوضوح في الطعن رقم 19036 لسنة 93 قضائية – جلسة 6 ديسمبر 2025، في معرض نظر محكمة النقض لحكم صادر بالإعدام.

وقد واجهت المحكمة آنذاك وضعًا تشريعيًا دقيقًا: صدر القانون رقم 174 لسنة 2025، وتضمن في المادة (22) تنظيمًا يسمح لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص بإثبات الصلح في الجرائم التي حددها النص إلى أن يصدر حكم بات، ويرتب على الصلح تخفيف العقوبة وفقًا للمادة (17) من قانون العقوبات، بينما كان نفاذ القانون مؤجلًا.

وقررت المحكمة في المبدأ المستخلص من الحكم:

"الحكم الصادر بالإعدام. ما يلزم من تسبيب لإقراره؟ صدور قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 الذي يجيز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح مع المتهم في أية حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات في الجرائم المبينة بالمواد المنصوص عليها في المادة 22 والذي يترتب عليه تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة 17 من قانون العقوبات تفاديًا للحكم بعقوبة الإعدام. يتحقق به معنى القانون الأصلح. ولو أُرجئ نفاذه إلى أجل. علة وأساس ذلك؟ عدم تقديم المعروض ضده أو ورثة المجني عليها أو وكيلها الخاص ما يفيد إثبات الصلح. أثره: انتفاء موجب إعمال المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية".

ويكشف هذا المبدأ، عند تحليله، عن مستويين ينبغي الفصل بينهما.

المستوى الأول يتعلق بطبيعة النص: فقد حسمت المحكمة أن المادة (22) يتحقق بها معنى القانون الأصلح للمتهم، ولو أرجئ نفاذ القانون إلى أجل.

أما المستوى الثاني فيتعلق بشروط إعمال النص: إذ لم تعتبر المحكمة مجرد صدوره سببًا آليًا لتخفيف العقوبة، وإنما اشترطت تحقق الواقعة التي رتب عليها المشرع ذلك الأثر، وهي الصلح.

ومن ثم، ينبغي التمييز بين أصلحية القانون وموجب تطبيقه.

فالأصلحية صفة قانونية للنص تستخلص من مقارنة أثره بالنظام السابق؛ أما الصلح فهو الواقعة المنشئة للأثر المخفف الذي قرره النص.

وبهذه التفرقة يمكن فهم ما قد يبدو لأول وهلة مفارقة: أن تعتبر المحكمة المادة (22) قانونًا أصلح، ثم تقر – في الدعوى ذاتها – العقوبة الأشد لعدم ثبوت الصلح.

فلا تناقض بين الأمرين؛ لأن القانون أصلح في ذاته، ولكن الانتفاع بأثره مشروط بتحقق الفرض الذي نظمه.

وهذه التفرقة ستكون من أكثر الأفكار حضورًا في التطبيقات اللاحقة للمادة.

ثالثًا: من «نفاذ القانون» إلى «صدوره» – الطعن رقم 1436 لسنة 95 قضائية

إذا كان حكم 6 ديسمبر 2025 قد وضع البذرة الأولى للمبدأ، فإن الطعن رقم 1436 لسنة 95 قضائية – جلسة 2 فبراير 2026 يمثل – في تقديرنا – الحكم الأهم في تأصيل أساسه النظري.

فقد قررت محكمة النقض:

"المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025. مفادها؟ القانون الأصلح للمتهم في حكم المادة الخامسة من قانون العقوبات. ماهيته؟ صدور قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 الذي يوجب تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة 17 عقوبات بدلًا من معاقبة المتهم وفقًا لنصوص المواد الوارد ذكرها بالمادة 22 منه حال الصلح. يتحقق به معنى القانون الأصلح. وجوب سريانه على واقعة الدعوى منذ صدوره دون أن يتراخى إلى تاريخ العمل به طالما لم تنته بحكم بات. علة ذلك؟ نفاذ القانون شرط لإمكان تطبيقه على الجرائم اللاحقة على هذا النفاذ أما مجرد إصداره يكفي لإمكان تطبيقه بأثر رجعي متى كان أصلح للمتهم. أساس ذلك؟ تصالح الورثة الشرعيين إبان نظر الطعن في جريمة الضرب المفضي إلى الموت وتنازلهم عن الدعوى المدنية. أثره: تحقق موجب إعمال نص المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية".

وهذا المبدأ يتجاوز المادة (22) ذاتها إلى تأصيل مسألة دقيقة في سريان القانون الجنائي من حيث الزمان.

فالمحكمة فرقت صراحة بين النفاذ والصدور.

النفاذ هو اللحظة التي يصبح فيها القانون واجب التطبيق ابتداءً على الوقائع التي تقع في ظله.

أما بالنسبة إلى واقعة سابقة لم تستقر بحكم بات، فإن صدور قانون أصلح يكفي لاستدعاء حكم المادة الخامسة من قانون العقوبات، ولو لم يحن بعد التاريخ المحدد لنفاذ القانون بالنسبة إلى المستقبل.

وهذا التمييز ليس خروجًا على قواعد النفاذ، بل هو إعمال للقاعدة الخاصة التي تحكم القانون الجنائي الأصلح.

فالقول بغير ذلك يؤدي إلى نتيجة يصعب التوفيق بينها وبين فلسفة المادة الخامسة: أن يظل القاضي ملزمًا بتوقيع عقوبة أشد في وقت أعلن فيه المشرع – بإصدار القانون الجديد – أن هذا القدر من الشدة لم يعد تعبيرًا عن سياسته العقابية الراهنة.

ومن هنا أرى أن الأساس الفلسفي لرجعية القانون الأصلح لا يقوم على مجرد الرأفة بالمتهم، وإنما على سقوط المبرر التشريعي لاستمرار تطبيق الجزاء الأشد.

فالمشرع حين يستبدل بالنظام السابق نظامًا أخف لا يقدم منحة فردية، وإنما يعيد تقييم الحاجة الاجتماعية إلى العقاب. فإذا انخفضت هذه الحاجة في تقديره التشريعي قبل استقرار المركز الجنائي بحكم بات، انتفى الأساس الذي يبرر إبقاء المتهم وحده خاضعًا للتقييم التشريعي القديم.

ومن هذه الزاوية تصبح رجعية القانون الأصلح تعبيرًا عن وحدة التقييم العقابي للدولة، لا مجرد استثناء إنساني من قاعدة عدم الرجعية.

رابعًا: القانون الأصلح لا يعمل في الفراغ – الطعن رقم 436 لسنة 95 قضائية

اكتمل البناء في الطعن رقم 436 لسنة 95 قضائية – جلسة 17 فبراير 2026، الذي قررت فيه محكمة النقض:

«المادة 22 من القانون 174 لسنة 2025. مفادها؟ صدور قانون جديد أصلح للمتهم بعد وقوع الفعل وقبل الفصل فيه بحكم بات. أثره: وجوب تطبيقه بمجرد صدوره دون انتظار نفاذه. اعتبار المادة 22 من القانون 174 لسنة 2025 قانون أصلح للمتهم. لمحكمة النقض نقض الحكم من تلقاء نفسها. شرط وأساس ذلك؟ انتفاء موجب تطبيق المادة 22 من القانون 174 لسنة 2025 أمام محكمة النقض. متى ثبت أن المحكوم عليه لم يقدم ما يفيد تصالحه مع ورثة المجني عليه أو يطلب أجلاً لذلك إبان نظر الطعن».

وتتجلى أهمية هذا القضاء في أنه يضع الحد الفاصل بين واجب القاضي في تطبيق القانون الأصلح وبين عبء تحقق الواقعة اللازمة لإنتاج أثره.

فإذا كان تطبيق القانون الأصلح من مسائل القانون التي لا يجوز للقاضي إهدارها متى توافرت شروطها، فإن ذلك لا يعني أن المحكمة تتولى من تلقاء نفسها إنشاء الصلح، أو افتراض اتجاه إرادة الورثة إليه، أو تعليق الفصل في الدعوى انتظارًا لاحتمال وقوعه.

فالصلح عمل إرادي، والقاضي يطبق أثره ولا ينشئه.

ولهذا كانت إشارة محكمة النقض إلى أن المحكوم عليه لم يقدم ما يفيد الصلح «أو يطلب أجلاً لذلك إبان نظر الطعن» ذات دلالة إجرائية خاصة.

فهي لا تؤسس – فيما نرى – التزامًا على المحكمة بمنح أجل من تلقاء نفسها، ولكنها تكشف عن إمكان أن يطرح الدفاع أمامها طلبًا جديًا بالإمهال لإتمام الصلح. فإذا لم يقدم الصلح، ولم يطلب الدفاع أجلاً لاستكماله، فلا موجب لتعطيل الفصل في الطعن على احتمال لم يتحول إلى واقعة قانونية مطروحة على المحكمة.

وهنا يظهر التوازن الذي أقامه القضاء: القانون الأصلح واجب التطبيق من تلقاء المحكمة، أما الواقعة التي يتوقف عليها أثره فلا تفترض.

خامسًا: الطبيعة المركبة للمادة 22:- 

تقود الأحكام السابقة، في تقديرنا، إلى نتيجة أدق من مجرد القول بأن المادة (22) "موضوعية" أو "إجرائية"

فالنص ذو طبيعة مركبة.

هو إجرائي من حيث الوسيلة التي تدخل بها واقعة الصلح إلى الخصومة: إثبات الصلح أمام الجهة القضائية المختصة، والتحقق من صفة الورثة أو الوكيل الخاص، وتقديم الدليل عليه، وتوقيت حصوله.

لكنه موضوعي من حيث النتيجة التي رتبها المشرع على هذه الواقعة: تغيير مقدار العقوبة واجب التطبيق.

وهذه الطبيعة المركبة تفسر ما قد يبدو تناقضًا ظاهريًا في وضع النص: فهو جزء من قانون الإجراءات الجنائية، ولكنه يخضع – في أثره العقابي – لمبدأ القانون الأصلح للمتهم.

ومن ثم، لا نرى دقة في القول إن محكمة النقض «حولت» النص الإجرائي إلى نص موضوعي؛ فالمحكمة لم تغير طبيعته، وإنما فككت عناصره، ونظرت إلى كل أثر وفق طبيعته القانونية الحقيقية.

وهذا هو، في تقديرنا، جوهر المعيار الموضوعي الوظيفي الذي تكشف عنه هذه التطبيقات.

سادسًا: الدلالة الفلسفية للقضاء – الأصلحية بوصفها تغيرًا في التقييم العقابي

ليس أهم ما في هذا الاتجاه القضائي أنه حل مشكلة انتقالية ترتبت على تأجيل نفاذ القانون رقم 174 لسنة 2025؛ فهذه نتيجة مباشرة للمبدأ، لكنها ليست جوهره.

جوهره أن محكمة النقض أعادت ربط مفهوم القانون الأصلح بفلسفة الجزاء.

فالمادة (22) لم تصبح أصلح لأن الصلح إجراء أيسر للمتهم، وإنما لأنها جعلت النظام العقابي الذي يخضع له – متى تحقق الصلح – أقل شدة من النظام السابق.

والفرق بين الأمرين جوهري.

فالضمانة الإجرائية الأفضل قد تحسن مركز المتهم في الخصومة دون أن تغير الجزاء القانوني المقرر للجريمة، ولذلك لا تدخل بذاتها في مفهوم المادة الخامسة.

أما النص الذي يخفض العقوبة أو يستحدث سببًا ملزمًا لتخفيفها، فإنه يعبر عن إعادة تقييم تشريعي لاستحقاق العقاب ذاته.

وهذا ما يفسر اختلاف موقف محكمة النقض من القانون رقم 1 لسنة 2024 عن موقفها من المادة (22) من القانون رقم 174 لسنة 2025، ويحول دون النظر إلى الحكمين باعتبارهما اتجاهين متعارضين.

بل هما – في الحقيقة – وجهان لمعيار واحد:

حيث يتعلق التعديل بكيفية الوصول إلى الحكم، يغلب عليه الطابع الإجرائي؛ وحيث يتعلق بما يجوز أن يقضي به الحكم من جزاء، يدخل أثره في المجال الموضوعي.

خلاصة المبحث

يتبين من استقراء هذا القضاء أن محكمة النقض لم تكتف بإعلان أن المادة (22) من القانون رقم 174 لسنة 2025 أصلح للمتهم، وإنما أقامت لذلك الإعلان بناءً قانونيًا يمكن رده إلى أربع قواعد مترابطة:

أولها أن طبيعة القاعدة الجنائية تتحدد بمضمونها وأثرها، لا بمجرد موضعها في التقنين.

وثانيها أن المادة (22)، إذ ترتب على الصلح تخفيف العقوبة وفق المادة (17) من قانون العقوبات، تمس المركز الموضوعي للمتهم، ومن ثم تدخل في نطاق المادة الخامسة من قانون العقوبات.

وثالثها أن صدور القانون الأصلح يكفي لإعماله على الوقائع السابقة التي لم تستقر بحكم بات، ولو كان نفاذ القانون بالنسبة إلى المستقبل مؤجلًا.

ورابعها أن وصف القانون بالأصلح لا يعني إنتاج أثره تلقائيًا؛ إذ يظل إعمال المادة (22) مشروطًا بتحقق الصلح وإثباته، فلا يجوز الخلط بين رجعية القاعدة القانونية وبين قيام الواقعة المنشئة للأثر الذي تقرره.

وعندي أن القيمة الأبعد لهذا القضاء تكمن في أنه يضع أساسًا منهجيًا يتجاوز المادة (22) ذاتها: فالعبرة في تحديد القانون الأصلح ليست باسم التشريع ولا بموضع النص ولا بمجرد ما يحققه من فائدة إجرائية، وإنما بما إذا كان قد أعاد تشكيل المركز العقابي للمتهم على نحو أقل شدة.

وبهذه القاعدة انتقلت المادة (22) من كونها نصًا مستحدثًا في قانون الإجراءات الجنائية إلى أن أصبحت تطبيقًا كاشفًا عن إحدى أدق مسائل النظرية العامة للقانون الجنائي: أن الطبيعة الموضوعية للنص لا تُعرف من موطنه، وإنما من أثره؛ وأن العدالة الزمنية للقانون تبدأ حين يتغير تقييم المشرع لاستحقاق العقاب، لا حين يحين فقط موعد نفاذ عباراته بالنسبة إلى المستقبل.

التقييم الفقهي المقارن للاتجاه القضائي المصري في ضوء نظرية القانون الأصلح للمتهم

لا يستقيم تقييم الاتجاه الذي أرسته محكمة النقض المصرية في تفسير المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية رقم (174) لسنة 2025 بمعزل عن الأصول العامة التي تحكم سريان القانون الجنائي من حيث الزمان في النظم المقارنة؛ ذلك أن قاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهم لا تمثل خصوصية وطنية، وإنما تعد من المبادئ المستقرة في البناء الحديث للشرعية الجنائية.

غير أن المقارنة هنا لا ينبغي أن تقف عند حد التشابه اللفظي بين النظم، وإنما يتعين أن تتجه إلى جوهر الفكرة التي يقوم عليها المبدأ: هل يستند تطبيق القانون الأصلح إلى مجرد الرأفة بالمتهم، أم إلى تغير التقييم التشريعي للجريمة أو العقوبة؟ وهل تتحدد طبيعة النص من موضعه في التقنين، أم من الأثر الذي يحدثه في المركز القانوني للمتهم؟ ثم ما مدى جواز تطبيق قانون أصلح صدر بالفعل، ولكن أُرجئ نفاذه إلى وقت لاحق؟

ومن خلال هذه الأسئلة يتضح أن قضاء محكمة النقض المصرية لم يكتف بترديد قاعدة مستقرة، وإنما قدم لها تطبيقًا ذا خصوصية، ولا سيما في التفرقة بين صدور القانون وبدء نفاذه.

أولًا: القانون الأصلح بوصفه نتيجة لتغير التقييم التشريعي

يعبر الفقه الجنائي المقارن عن قاعدة القانون الأصلح بمصطلح Lex Mitior، أي القانون الأخف، بينما يشيع في الفقه الفرنسي تعبير La loi pénale plus douce، أي القانون الجنائي الأرفق بالمتهم.

ولا ينبغي فهم هذا المبدأ باعتباره مجرد استثناء تفرضه اعتبارات الرحمة على قاعدة عدم رجعية القوانين الجنائية؛ لأن هذا التصور يقصر مضمونه على الاعتبارات الإنسانية الفردية، بينما يقوم المبدأ – في حقيقته – على أساس موضوعي أعمق.

فالمشرع حين يستبدل بنظام عقابي سابق نظامًا أخف لا يكون قد أبدى مجرد عطف على فئة من المتهمين، وإنما يكون قد أعاد تقدير مدى الحاجة الاجتماعية إلى التجريم أو إلى قدر معين من العقاب. فإذا انتهى هذا التقييم الجديد إلى أن الجزاء السابق كان أشد مما يلزم لتحقيق أغراض السياسة الجنائية، لم يعد من المتصور الإصرار على تطبيقه على دعوى لم تستقر بحكم بات.

ومن ثم، فإن القانون الأصلح لا يستمد رجعيته من مصلحة المتهم وحده، بل من ضرورة تحقيق الاتساق الداخلي للإرادة العقابية للدولة. فلا يجوز للدولة أن تعلن، من خلال قانون جديد، أن عقوبة معينة قد تجاوزت القدر الملائم، ثم تستمر في توقيعها على من لم يستقر مركزه بحكم نهائي.

وعلى هذا الأساس، فإن رجعية القانون الأصلح ليست نقيضًا لمبدأ الشرعية، وإنما تعد أحد مقتضياته. فالشرعية لا تعني الجمود عند لحظة ارتكاب الفعل دون نظر إلى التطور اللاحق في تقييم المشرع، وإنما تعني خضوع العقاب للقانون الذي يعبر – في الحدود التي رسمها النظام القانوني – عن التقدير التشريعي الأحدث والأقل شدة.

ثانيًا: المعيار الوظيفي في التفرقة بين القواعد الموضوعية والإجرائية

تثير المادة (22) إشكالية تكييفية دقيقة؛ لأنها وردت في قانون الإجراءات الجنائية، بينما انصرف أثرها إلى العقوبة. وهنا تظهر أهمية المعيار الذي تبنته الاتجاهات الفقهية المقارنة في التفرقة بين القواعد الموضوعية والإجرائية.

فالقاعدة لا تستمد طبيعتها على نحو حاسم من اسم القانون الذي وردت فيه، ولا من موقعها داخل التقنين، وإنما من الوظيفة القانونية التي تؤديها.

فإذا كانت تنظم وسيلة التحقيق، أو ترتيب الخصومة، أو مواعيد الإجراءات، أو طرق الطعن، فإنها تظل قاعدة إجرائية، ولو ترتب عليها – بصورة غير مباشرة – نفع للمتهم.

أما إذا كانت تغير وصف الفعل، أو نطاق التجريم، أو مقدار العقوبة، أو تستحدث سببًا للإعفاء أو التخفيف، فإنها تكون قاعدة موضوعية من حيث أثرها الزمني، ولو أدرجها المشرع داخل قانون إجرائي.

وهذا هو جوهر الاتجاه المنسوب في الفقه الفرنسي إلى كل من Jean PradelوMerle et Vitu؛ إذ يقوم التمييز عندهم على الأثر الحقيقي للنص في المركز القانوني للمتهم، لا على الإطار التشريعي الذي صيغ فيه. فكل حكم يغير النتيجة العقابية أو يستحدث سببًا مؤثرًا في الجزاء يدخل، من هذه الزاوية، في المجال الموضوعي.

وفي الاتجاه ذاته، يربط الفقه الألماني قاعدة Lex Mitiorبفكرة العدالة الموضوعية ودولة القانون. وينسب إلى Claus Roxin التأكيد على أن تطبيق القانون الأخف لا يقوم على مجرد التسامح، وإنما على عدم جواز تمسك الدولة بعقوبة ثبت من تقييمها التشريعي الجديد أنها تجاوزت القدر اللازم لحماية المصلحة الاجتماعية.

كما ينسب إلى Hans-Heinrich Jescheck توسيع مفهوم الأصلحية ليشمل ليس فقط النصوص التي تخفض الحدود القانونية للعقوبة، وإنما كذلك النصوص التي تستحدث سببًا جديدًا للتخفيف أو توسع المجال القانوني للنزول بالجزاء، متى كان الأثر النهائي للنص هو تحسين المركز الموضوعي للمتهم.

ولا تعني هذه الإشارات أن كل توسع في سلطة القاضي يعد بذاته قانونًا أصلح؛ وإنما العبرة بأن يكون التعديل قد مس النظام القانوني للعقوبة، لا مجرد الطريقة الإجرائية التي يصل بها القاضي إلى الحكم.

ثالثًا: موقع المادة (22) من المعيار المقارن

عند إنزال هذا المعيار على المادة (22)، يتضح أن محكمة النقض المصرية لم تعتد بموضع النص داخل قانون الإجراءات الجنائية، وإنما نظرت إلى نتيجته القانونية.

فالمادة لا تقتصر على تحديد الجهة التي يثبت أمامها الصلح، أو بيان توقيته، أو تنظيم شكل من أشكال الحضور والإثبات. وإنما ترتب على ثبوت الصلح أثرًا مباشرًا في العقوبة، فتوجب تخفيفها وفقًا لحكم المادة (17) من قانون العقوبات.

وهذا الأثر هو الذي يخلع عليها – من حيث سريانها الزمني – الطبيعة الموضوعية.

فلو اقتصر النص على بيان كيفية إثبات الصلح، لظل إجرائيًا. أما وقد ربط المشرع بإثباته تغييرًا لازمًا في الجزاء، فقد أصبحت القاعدة ذات بناء مركب:

    • إجرائية في وسيلة دخول الصلح إلى الخصومة وإثباته أمام القضاء.
    • موضوعية في الأثر العقابي الذي يرتبه القانون عليه.

ومن ثم، فإن قضاء محكمة النقض لم يخرج على التصنيف التقليدي للقواعد، وإنما طبق معيارًا وظيفيًا يتيح التمييز داخل النص الواحد بين وسيلته الإجرائية ونتيجته الموضوعية.

وهذا التحليل ينسجم مع الفقه المقارن، لكنه يكتسب في التطبيق المصري أهمية خاصة؛ لأن المادة (22) وردت في تشريع إجرائي كامل، ومع ذلك أخضعت المحكمة أثرها العقابي للمادة الخامسة من قانون العقوبات.

رابعًا: المقارنة الداخلية بوصفها أوضح من المقارنة الأجنبية

قد تكون المقارنة الأكثر دلالة في هذا المجال ليست فقط بين القضاء المصري والفقه الأوروبي، وإنما بين موقف محكمة النقض من المادة (22) وموقفها من القانون رقم (1) لسنة 2024 الذي استحدث استئناف أحكام الجنايات.

ففي القانون رقم (1) لسنة 2024 رفضت محكمة النقض اعتبار إنشاء درجة ثانية للتقاضي قانونًا أصلح للمتهم بالنسبة إلى الأحكام السابقة على نفاذه، رغم ما يتضمنه من ضمانة إضافية، تأسيسًا على أن طرق الطعن قواعد إجرائية، وأن الحكم يخضع من حيث جواز الطعن فيه للقانون الساري وقت صدوره.

أما في المادة (22)، فقد اعتبرت المحكمة النص قانونًا أصلح، لأنه لا يضيف مجرد وسيلة إجرائية، بل يغير العقوبة واجبة التطبيق عند تحقق الصلح.

وتكشف هذه المقارنة عن أن المحكمة لم تتبن معيارًا نفعيًا فضفاضًا مؤداه أن كل ما يفيد المتهم يعد أصلح له؛ وإنما فرقت بين:

    • ميزة تتعلق بكيفية مراجعة الحكم، وهي إجرائية.
    • وميزة تتعلق بما يمكن أن يقضي به الحكم من عقوبة، وهي موضوعية.

ومن هنا يتأكد أن وصف المادة (22) بأنها قانون أصلح لم يكن نتيجة توسع غير منضبط في المادة الخامسة من قانون العقوبات، بل تطبيقًا لمعيار دقيق في تحديد طبيعة النص.

خامسًا: خصوصية القضاء المصري في التفرقة بين الصدور والنفاذ

تتجلى الإضافة الأهم في قضاء محكمة النقض المصرية في تقريرها أن القانون الأصلح يسري على الواقعة السابقة منذ صدوره، ولو كان بدء العمل به قد أُرجئ إلى وقت لاحق.

وقد عبر الطعن رقم 1436لسنة 95 قضائية – جلسة 2 فبراير 2026 عن هذا المبدأ بوضوح حين قرر أن نفاذ القانون شرط لإمكان تطبيقه على الجرائم اللاحقة على هذا النفاذ، أما مجرد إصداره فيكفي لإمكان تطبيقه بأثر رجعي متى كان أصلح للمتهم، طالما لم تنته الدعوى بحكم بات.

ويمثل هذا القضاء تفرقة بين وظيفتين مختلفتين للزمن التشريعي:

النفاذ يحدد اللحظة التي يصبح فيها القانون واجب التطبيق ابتداءً على الوقائع اللاحقة.

أما الصدور فيكشف عن اكتمال الإرادة التشريعية وإعلانها في صورة قانون، وهو ما يكفي – وفقًا للمادة الخامسة من قانون العقوبات – لاستدعاء أثره الأصلح إلى الوقائع السابقة غير الباتة.

وهذا التمييز لا يعني تطبيق قانون لم يوجد بعد، ولا يعني تجاوز إرادة المشرع؛ لأن القانون قد صدر واكتمل وجوده القانوني، وإن كان تاريخ تطبيقه العام على المستقبل قد تأخر.

فالرجعية الأصلح لا تستند إلى القواعد العامة التي تحكم نفاذ القانون بالنسبة إلى الوقائع الجديدة، وإنما إلى حكم خاص ورد في المادة الخامسة من قانون العقوبات، علق التطبيق على صدور القانون الأصلح قبل الحكم النهائي.

ومن ثم، فإن قضاء محكمة النقض لم يقدم الإرادة التشريعية على القانون، وإنما طبق الإرادة التشريعية التي عبر عنها القانون نفسه، مقرونة بالقاعدة الخاصة التي قررت رجعيته لمصلحة المتهم.

سادسًا: الأمن القانوني وحدود الاعتراض على تطبيق قانون لم يبدأ نفاذه

قد يثار في مواجهة هذا الاتجاه أن تطبيق قانون قبل تاريخ العمل به يمس مبدأ الأمن القانوني، الذي يقتضي وضوح اللحظة التي تبدأ عندها القاعدة في ترتيب آثارها.

وهذا الاعتراض لا يخلو من وجاهة من الناحية النظرية؛ لأن قواعد النفاذ تهدف إلى ضمان إمكان العلم بالقانون واستقرار المراكز القانونية وعدم إخضاع الأفراد لقواعد لم تكن نافذة وقت وقوع أفعالهم.

غير أن قوة هذا الاعتراض تتراجع في مجال القانون الأصلح لسببين:

أولهما أن الأثر الرجعي لا يفرض على المتهم التزامًا جديدًا، ولا ينشئ تجريمًا، ولا يشدد عقوبة؛ وإنما يقرر له مركزًا أكثر حماية.

وثانيهما أن الرجعية لا تنشأ من اجتهاد قضائي مجرد، وإنما تستند إلى نص المادة الخامسة من قانون العقوبات، التي جعلت صدور القانون الأصلح مناطًا لتطبيقه قبل الحكم النهائي.

فالأمن القانوني يحمي الفرد من المفاجأة التشريعية الضارة، ولا يتعارض – من حيث الأصل – مع إفادته من قانون أخف صدر قبل استقرار مركزه.

بل يمكن القول إن الامتناع عن تطبيق القانون الأصلح بعد صدوره هو الذي قد يؤدي إلى اضطراب العدالة؛ إذ يسمح بتوقيع عقوبات مختلفة على مراكز قانونية متماثلة لمجرد أن تاريخ النفاذ العام لم يحن، رغم أن المشرع قد حسم بالفعل اختياره للنظام الأخف.

ومع ذلك، يظل هذا الاتجاه مرتبطًا بضابطين يحولان دون تحوله إلى قاعدة غير منضبطة:

    • أن يكون القانون قد صدر بالفعل، فلا يكفي مشروع قانون أو موافقة غير مكتملة.
    • وأن يكون أصلح للمتهم من الناحية الموضوعية، وألا تكون الدعوى قد استقرت بحكم بات.

سابعًا: مدى دقة القول بأن القضاء المصري أضاف جديدًا إلى الفقه المقارن

من الأنسب، في تقديرنا، عدم القول على إطلاقه إن التفرقة بين الإصدار والنفاذ لم تكن معروفة في الفقه الأوروبي؛ لأن مدى صحة هذا التقرير يحتاج إلى بحث تفصيلي في كل نظام وبيان مدلول الإصدار والنشر والنفاذ فيه، وهي مفاهيم قد تختلف من تشريع إلى آخر.

والأدق أن يقال إن محكمة النقض المصرية قدمت تطبيقًا وطنيًا صريحًا ومباشرًا لهذه التفرقة، مستندة إلى صياغة المادة الخامسة من قانون العقوبات التي علقت الأثر على صدور القانون الأصلح.

فالقيمة المضافة للقضاء المصري ليست بالضرورة ابتكار الفكرة على المستوى المقارن، وإنما بلورتها في مبدأ قضائي واضح، وتطبيقها على قانون كامل أُرجئ نفاذه، مع بيان اختلاف حكم الوقائع اللاحقة عن الوقائع السابقة غير الباتة.

وهذا التحفظ المنهجي أكثر دقة في البحث العلمي؛ لأنه يمنع نسبة سبق فقهي أو قضائي إلى النظام المصري دون استقراء شامل للتشريعات والأحكام الأجنبية.

ثامنًا: التقييم النقدي للاتجاه القضائي المصري

في ضوء ما تقدم، يبدو اتجاه محكمة النقض المصرية صحيحًا من حيث الأساس؛ لأنه:

أولًا، يتفق مع المعيار الوظيفي في تحديد طبيعة القواعد، فلا يقف عند الشكل التشريعي للمادة (22).

وثانيًا، ينسجم مع فلسفة القانون الأصلح التي تقوم على تغير التقييم التشريعي للعقوبة.

وثالثًا، يجد سنده المباشر في صياغة المادة الخامسة من قانون العقوبات، التي جعلت الصدور – لا مجرد النفاذ – أساسًا لإعمال القانون الأصلح قبل الحكم النهائي.

ورابعًا، لم يؤد إلى تطبيق المادة تطبيقًا آليًا، بل أبقى إعمالها مشروطًا بتحقق الصلح وإثباته.

غير أن هذا الاتجاه يثير بعض التحفظات التي لا تتعلق بصحة أصل المبدأ، وإنما بضوابط تطبيقه.

فإذا كان الصلح قد يؤدي إلى تفادي عقوبة الإعدام أو النزول بالعقوبة إلى حد أدنى، فإن استقرار معايير إثباته وصفة الورثة والوكالة الخاصة وطلب الأجل أمام محكمة النقض يصبح أمرًا وثيق الصلة بالأمن القانوني والمساواة بين المتقاضين.

ومن ثم، فإن استكمال البناء القضائي للمادة (22) لا يتوقف فقط على تأكيد وصفها بالقانون الأصلح، وإنما يحتاج إلى وضع إطار إجرائي أكثر تحديدًا لضمان توحيد تطبيقها.

خلاصة التقييم المقارن

يمكن القول إن الاتجاه القضائي المصري يلتقي مع الفقه المقارن في ثلاث ركائز أساسية:

    • أن القانون الأصلح يستند إلى تغير التقييم التشريعي للعقوبة، لا إلى مجرد الرأفة.
    • وأن طبيعة النص تتحدد بوظيفته وأثره، لا بموضعه داخل التقنين.
    • وأن النص الذي يستحدث سببًا لتخفيف العقوبة يمس المركز الموضوعي للمتهم، ولو ورد في قانون إجرائي.

غير أن قضاء محكمة النقض المصرية أبرز بصورة خاصة التمييز بين صدور القانون ونفاذه، فجعل الصدور كافيًا لإعمال القانون الأصلح على الوقائع السابقة غير الباتة، مع إبقاء النفاذ شرطًا لتطبيق القانون ابتداءً على الوقائع اللاحقة.

وعندي أن هذا القضاء لا يمثل خروجًا على الأمن القانوني، بل يحقق توازنًا بينه وبين العدالة العقابية؛ لأن الأمن القانوني لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإبقاء المتهم خاضعًا لعقوبة أعلن المشرع، قبل استقرار مركزه، أنه لم يعد يراها ملائمة في صورتها السابقة.

وبذلك تكون القيمة الحقيقية للاتجاه المصري أنه لم يتعامل مع المادة (22) بوصفها مجرد حكم انتقالي، وإنما أعاد من خلالها تأكيد قاعدة أعمق:

إن القانون الأصلح لا يُعرف من موضع النص ولا من اسمه، وإنما من تغير التقييم القانوني للعقاب؛ وإن صدور الإرادة التشريعية الأخف قبل الحكم البات يسقط المبرر الموضوعي لاستمرار تطبيق النظام الأشد.

رأي خاص

نحو نظرية جديدة للصلح الجنائي في ضوء المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية رقم (174) لسنة 2025

يثير الاتجاه الذي استقرت عليه محكمة النقض في تفسير المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية جملة من الاعتبارات التي تجاوز حدود التطبيق المباشر للنص إلى إعادة النظر في الوظيفة القانونية للصلح داخل النظام الجنائي ذاته.

فالمسألة لا تقف عند حد تقرير أن المادة (22) تمثل قانونًا أصلح للمتهم في مفهوم المادة الخامسة من قانون العقوبات، ولا عند حد حسم نطاق سريانها الزمني، وإنما تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بموقع الصلح داخل البنية العامة للدعوى الجنائية والسياسة العقابية: هل يظل الصلح سببًا استثنائيًا يؤدي إلى زوال الدعوى أو وقف تنفيذ العقوبة، أم يمكن أن يتحول إلى عنصر قانوني يدخل في تكوين الجزاء ذاته ويؤثر في مقداره دون أن يمس أصل الحق العام؟

وفي تقديرنا، فإن القيمة الحقيقية لما كشف عنه قضاء محكمة النقض لا تكمن في وصف المادة (22) بأنها قانون أصلح للمتهم فحسب؛ ذلك أن هذه النتيجة تفرضها طبيعة الأثر الذي رتبه النص على الصلح، ما دام هذا الأثر ينصرف إلى تخفيف العقوبة وفقًا للمادة (17) من قانون العقوبات. وإنما تكمن القيمة الأعمق في أن هذا القضاء أظهر تحولًا في الوظيفة القانونية للصلح، إذ انتقل من مجال انقضاء الخصومة إلى مجال تفريد الجزاء.

فالصلح، في صورته التقليدية، يعمل خارج البناء العقابي؛ إذ يؤدي متى استوفى شروطه إلى إنهاء الدعوى الجنائية أو وقف تنفيذ العقوبة، بما مؤداه زوال ولاية الدولة في الاستمرار في العقاب على الواقعة محل التصالح.

أما في المادة (22)، فإن المشرع لم يسلك هذا الطريق. فلم يرتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية، ولم يمنح ورثة المجني عليه سلطة إسقاط الحق العام، ولم يجعل اتفاقهم مع المتهم بديلًا عن العقوبة. بل أبقى الجريمة قائمة، وأبقى الدعوى الجنائية قائمة، وأبقى للدولة سلطانها في الاتهام والمحاكمة والعقاب، ثم أوجب أن ينعكس الصلح على مقدار الجزاء من خلال إعمال المادة (17) من قانون العقوبات.

ومن ثم، فإن المادة (22) لم تغير فقط الأثر المترتب على الصلح، وإنما غيرت كذلك الموضع البنيوي الذي يحتله الصلح داخل النظرية العامة للدعوى الجنائية.

فلم يعد الصلح عاملًا ينهي الخصومة من خارجها، وإنما أصبح واقعة قانونية تدخل في صميم العملية العقابية، وتؤثر في الحد الذي يجوز أن تبلغه سلطة الدولة في العقاب.

وبعبارة أدق، فإن الصلح في نطاق المادة (22) لا يعمل على وجود الدعوى، وإنما يعمل على مقدار الجزاء. ولا ينال من أصل الحق العام، وإنما يعيد تشكيل مضمونه في ضوء واقعة لاحقة على الجريمة اعترف المشرع بقيمتها القانونية والاجتماعية.

وهنا تكمن، في رأينا، أهم إضافة جاء بها القانون رقم (174) لسنة 2025.

أولًا: من نظرية انقضاء الدعوى إلى نظرية تفريد الجزاء

أقام التشريع الجنائي التقليدي للصلح وظيفة محددة: إنهاء الخصومة متى رأى المشرع أن المصلحة الاجتماعية لا تتطلب استمرار الدعوى بعد زوال النزاع الخاص.

وتقوم هذه الوظيفة على تصور مؤداه أن بعض الجرائم يكون فيها البعد الشخصي أو المالي غالبًا، بحيث يكفي اتفاق الأطراف لإنهاء الخصومة الجنائية أو وقف تنفيذ العقوبة.

أما الجرائم التي شملتها المادة (22)، فهي بطبيعتها تمس مصالح تتجاوز النطاق الشخصي البحت، وفي مقدمتها الحق في الحياة وسلامة الجسد. ولذلك لم يكن من الملائم أن يضع المشرع مصير الدعوى بالكامل في يد ورثة المجني عليه.

ومن هنا جاءت الصياغة التشريعية وسطًا بين اتجاهين:

    • اتجاه يبقي العقوبة كاملة دون اعتبار للصلح.
    • واتجاه يجعل الصلح سببًا لانقضاء الدعوى أو سقوط العقوبة.

فالمشرع لم يأخذ بأي منهما على إطلاقه، وإنما اعترف للصلح بأثر محدود لكنه جوهري: إلزام القاضي بإعادة تقدير العقوبة في نطاق المادة (17) من قانون العقوبات.

وهذا الاختيار يكشف عن تحول في فلسفة الصلح ذاته.

فهو لم يعد بديلًا عن العقوبة، وإنما أصبح أحد عناصر تحديدها.

ولم يعد مجرد وسيلة لإنهاء النزاع الخاص، وإنما أضحى واقعة ذات أثر في تقدير الحاجة الاجتماعية إلى الإبقاء على أقصى درجات الردع.

ومن ثم، فإننا نكون أمام انتقال من نظرية الصلح المسقط للخصومة إلى نظرية الصلح المندمج في تفريد الجزاء.

ثانيًا: الصلح في المادة (22) واقعة قانونية مركبة

تكشف المادة (22) عن طبيعة مركبة للصلح.

فهو من ناحية أولى واقعة إرادية، مصدرها ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص، ولا يجوز للقاضي أن يفترضها أو ينشئها من تلقاء نفسه.

وهو من ناحية ثانية واقعة إجرائية من حيث لزوم إثباتها أمام الجهة القضائية المختصة وفي الحدود الزمنية التي رسمها القانون.

لكنه من ناحية ثالثة واقعة ذات أثر موضوعي؛ لأن ثبوتها يغير النظام القانوني للعقوبة التي يجوز توقيعها.

ومن ثم، لا يصح اختزال الصلح في المادة (22) في وصف واحد.

فهو ليس مجرد إجراء، لأن أثره يتجاوز الخصومة إلى الجزاء.

وليس سببًا موضوعيًا محضًا منفصلًا عن الدعوى، لأن إنتاج أثره يتوقف على إثباته أمام القضاء.

والأدق، في تقديرنا، أنه واقعة قانونية مركبة: إجرائية في إثباتها، موضوعية في أثرها.

وهذا التكييف هو الذي يفسر لماذا أدرج المشرع النص في قانون الإجراءات الجنائية، بينما أخضعت محكمة النقض أثره لمبدأ القانون الأصلح للمتهم.

فموضع النص يبين طريق دخوله إلى الخصومة، أما أثره فيكشف عن طبيعته الحقيقية في مجال العقاب.

ثالثًا: موقع إرادة الورثة من حق الدولة في العقاب

تثير المادة (22) مسألة دقيقة تتعلق بالعلاقة بين الإرادة الخاصة والحق العام.

فالصلح لا يصدر عن المجني عليه لوفاته، وإنما عن ورثته. وهؤلاء لا يملكون أصل الحق في العقاب، ولا يمثلون المجتمع، ولا يحلون محل النيابة العامة في مباشرة الدعوى الجنائية.

ومع ذلك، اعترف المشرع لإرادتهم بأثر في تحديد مقدار العقوبة.

ولا يعني ذلك نقل سلطان العقاب إليهم، وإنما يعني أن المشرع اعتبر موقفهم من الجريمة عاملًا من عوامل تقدير الحاجة إلى استمرار العقوبة في صورتها الأشد.

فالصلح قد يعبر عن زوال حالة الخصومة الخاصة، وانحسار دوافع الثأر، وإمكان استعادة قدر من السلم الاجتماعي. وهي اعتبارات لا تمحو الاعتداء الواقع على المجتمع، لكنها قد تخفف من حدة الآثار الاجتماعية اللاحقة للجريمة.

ومن ثم، فإن المادة (22) أقامت توازنًا دقيقًا:

    • لم تجعل إرادة الورثة حاكمة على أصل الدعوى.
    • ولم تهدرها باعتبارها عديمة الصلة بالعقوبة.
    • وإنما جعلتها سببًا قانونيًا لتعديل مقدار الجزاء.

وعندي أن هذا التوازن يعبر عن تصور أكثر نضجًا للعدالة الجنائية؛ لأنها لا تختزل في الردع العام وحده، كما لا تختزل في رضا المجني عليه أو ورثته، وإنما تقوم على الجمع بين حق المجتمع في العقاب، وضرورة تناسب الجزاء، ومتطلبات إعادة السلم الاجتماعي.

رابعًا: المادة (22) والتمييز بين الشكل التشريعي والمضمون القانوني

أظهر قضاء محكمة النقض في تطبيق المادة (22) أن طبيعة القاعدة لا تستمد من عنوان التشريع الذي وردت فيه، وإنما من الوظيفة التي تؤديها.

فإذا اقتصر النص على تنظيم إجراءات التحقيق أو المحاكمة أو طرق الطعن، كان إجرائيًا، ولو حقق للمتهم ضمانة أو فائدة عملية.

أما إذا مس التجريم أو العقوبة أو أسباب التخفيف أو الإعفاء، اكتسب أثرًا موضوعيًا، ولو ورد داخل قانون الإجراءات الجنائية.

وتطبيقًا لذلك، فإن المادة (22) لا تعد قانونًا أصلح لمجرد أنها أجازت الصلح، وإنما لأنها رتبت على الصلح تغييرًا واجبًا في النتيجة العقابية.

وهذا المعيار الوظيفي هو الذي يفسر اختلاف موقف محكمة النقض من المادة (22) عن موقفها من القانون رقم (1) لسنة 2024 بشأن استئناف أحكام الجنايات.

فاستحداث طريق جديد للطعن، رغم ما يحققه من فائدة للمتهم، يظل متعلقًا بكيفية مراجعة الحكم.

أما المادة (22)، فتتعلق بما يجوز أن يقضي به الحكم من عقوبة.

وعليه، فإن الفرق بين النصين لا يقوم على مقدار المنفعة التي يحققها كل منهما للمتهم، وإنما على طبيعة المجال الذي يعمل فيه كل نص: مجال الإجراء في الأول، ومجال الجزاء في الثاني.

خامسًا: مدى إلزام المحكمة بالتخفيف وحدود سلطتها في تقدير العقوبة

نصت المادة (22) على أن الصلح يترتب عليه تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة (17) من قانون العقوبات.

ويكشف هذا النص عن مستويين مختلفين للسلطة القضائية:

المستوى الأول يتعلق بأصل التخفيف، وهو – في تقديرنا – أثر وجوبي متى ثبت الصلح على الوجه المقرر قانونًا؛ لأن المشرع استعمل عبارة «يترتب على الصلح... تخفيف العقوبة»، ولم يترك للمحكمة حرية رفض الاعتداد به.

أما المستوى الثاني فيتعلق بمقدار النزول داخل الحدود التي تسمح بها المادة (17)، وهنا تستعيد المحكمة سلطتها التقديرية في تحديد العقوبة الملائمة في ضوء ظروف الواقعة وشخصية الجاني ومقتضيات الردع.

ومن ثم، فإن الصلح لا يفرض عقوبة محددة، ولا يحول الجزاء إلى نتيجة اتفاقية بين المتهم والورثة، وإنما ينقل الدعوى من نطاق عقابي إلى نطاق أخف، مع بقاء الاختيار القضائي داخل هذا النطاق.

وهذه التفرقة ضرورية لفهم طبيعة الاندماج العقابي.

فالصلح يلزم المحكمة بإعادة فتح مجال التقدير في اتجاه التخفيف، لكنه لا يحل محلها في تحديد مقدار العقوبة.

وبذلك يحتفظ القضاء بوظيفته في تفريد الجزاء، ولا تتحول إرادة الأطراف إلى مصدر مباشر للعقوبة.

سادسًا: حدود التطبيق القضائي والفراغ الإجرائي

تكشف الأحكام الصادرة حتى الآن عن أن غالبية الطعون لم ينته فيها القضاء إلى إعمال المادة (22)، لا لأن المحكمة أنكرت وصفها بالقانون الأصلح، وإنما لأن الأوراق خلت مما يثبت حصول الصلح.

وقد اكتسبت المسألة بعدًا أوضح في الطعن رقم 436 لسنة 95 قضائية – جلسة 17 فبراير 2026؛ إذ قررت محكمة النقض انتفاء موجب تطبيق المادة متى ثبت أن المحكوم عليه لم يقدم ما يفيد تصالحه مع ورثة المجني عليه، أو يطلب أجلاً لذلك إبان نظر الطعن.

ويستفاد من هذا القضاء أن المحكمة لا تلتزم بإنشاء الصلح أو بافتراض إمكان حدوثه، كما لا يثبت من المبدأ وجود التزام مطلق عليها بمنح أجل من تلقاء نفسها.

فالصلح عمل إرادي، ولا يجوز للقضاء أن يحل محل الورثة في تقريره.

غير أن الإشارة إلى عدم طلب الأجل تكشف، في المقابل، عن إمكان طرح هذا الطلب أمام محكمة النقض متى كان مسعى الصلح جديًا وقائمًا.

ومن هنا ينبغي إعادة صياغة الإشكال الإجرائي على نحو أدق.

فالسؤال ليس: هل يجب على المحكمة دائمًا منح المتهم أجلاً؟

وإنما: ما ضوابط طلب الأجل لإتمام الصلح، وما حدود سلطة المحكمة في الاستجابة إليه؟

وفي تقديرنا، يتعين أن تتوافر في الطلب الجدية، وأن يقوم على مقدمات واقعية ظاهرة، كبدء مفاوضات الصلح أو حضور بعض الورثة أو تقديم ما يدل على اتجاه إرادتهم إليه، حتى لا يتحول النص إلى وسيلة لتعطيل الفصل في الطعون، ولا سيما في القضايا المحكوم فيها بالإعدام.

وفي الوقت ذاته، فإن خطورة الأثر الذي قد يترتب على الصلح تقتضي ألا يرفض طلب الأجل الجدي رفضًا شكليًا، لأن الأمر قد يتعلق بالانتقال من عقوبة الإعدام إلى نطاق عقابي أخف.

وهنا يظهر الفراغ التشريعي الحقيقي.

فالمادة (22) لم تحدد:

    • طريقة إثبات الصلح أمام محكمة النقض.
    • شكل الوكالة الخاصة اللازمة.
    • أثر تعدد الورثة واختلاف مواقفهم.
    • وضع القصر أو عديمي الأهلية من بينهم.
    • ضوابط طلب الأجل ومدته.
    • أثر وفاة أحد الورثة أثناء المفاوضات.
    • مدى جواز إثبات الصلح بمحرر موثق دون حضور الورثة.

وهذه المسائل لا يصح أن تترك جميعها للاجتهاد المتفاوت، بالنظر إلى اتصالها المباشر بمقدار العقوبة، بل قد تتصل في بعض الحالات بالفاصل بين الإعدام والعقوبة المخففة.

سابعًا: أثر تعدد الورثة واختلاف إرادتهم

من أدق المسائل التي يثيرها النص استعماله عبارة «ورثة المجني عليه».

فهل يلزم الصلح الصادر من جميع الورثة، أم يكفي صدوره من بعضهم؟

ظاهر النص قد يفيد اشتراط صدوره ممن تثبت لهم جميعًا صفة الوراثة، غير أن حسم هذا الأمر يحتاج إلى تنظيم أو قضاء صريح؛ لأن الصلح في المادة (22) ليس متعلقًا بحق مالي قابل للتجزئة فحسب، وإنما يترتب عليه أثر في العقوبة العامة.

وفي تقديرنا، فإن القول بكفاية صلح بعض الورثة يثير صعوبة؛ لأنه يسمح لإرادة فردية بإنتاج أثر عقابي يتعلق بالجريمة في مجموعها، مع بقاء اعتراض باقي الورثة.

كما أن اشتراط الإجماع قد يؤدي، في المقابل، إلى تعطيل الصلح بسبب امتناع وارث واحد، ولو كانت الغالبية قد ارتضته.

وهذه المفاضلة تكشف أن المشرع لم يواجه بصورة تفصيلية الطبيعة الجماعية لإرادة الورثة.

والأقرب إلى منطق النص – إلى أن يصدر تنظيم أو قضاء حاسم – أن يكون الصلح صادرًا ممن يمثلون صفة الورثة جميعًا؛ لأن الأثر المترتب عليه غير قابل للتجزئة بالنسبة إلى العقوبة.

غير أن هذا الرأي يظل اجتهادًا فقهيًا، لا يجوز تقديمه باعتباره حكمًا مستقرًا.

ثامنًا: هل يمتد أثر الصلح إلى ما وراء المادة (17)؟

أحالت المادة (22) صراحة إلى المادة (17) من قانون العقوبات، بما يفيد أن الأثر القانوني المباشر للصلح هو النزول بالعقوبة في الحدود التي تسمح بها تلك المادة.

ومن ثم، لا يجوز – في تقديرنا – التوسع في اعتبار الصلح سببًا مستقلًا لإعفاء المتهم من العقوبة، أو لإنهاء الدعوى، أو لتقرير آثار لم ينص عليها المشرع.

غير أن ذلك لا يمنع من التساؤل عن مدى جواز اعتبار الصلح، إلى جانب أثره القانوني الوجوبي، ظرفًا من ظروف التفريد القضائي عند اختيار العقوبة داخل الحدود المخففة.

والراجح لدينا أن الصلح، بعد أن يؤدي وظيفته القانونية في نقل العقوبة إلى النطاق الأخف، يمكن أن يدخل ضمن العناصر التي تقدرها المحكمة عند تحديد مقدار العقوبة داخل هذا النطاق؛ لأنه يعبر عن تغير في الظروف الاجتماعية المحيطة بالجريمة.

لكن ينبغي التمييز بين أمرين:

    • الأثر القانوني الملزم للصلح، ومصدره المادة (22).
    • والأثر التقديري الممكن عند تحديد مقدار العقوبة، ومصدره سلطة القاضي في تفريد الجزاء.

فلا يجوز الخلط بينهما، ولا يجوز تحويل الصلح إلى سبب مزدوج للتخفيف على نحو يؤدي إلى إهدار التناسب أو الردع العام.

تاسعًا: العدالة التصالحية أم العدالة العقابية التصالحية؟

قد يبدو لأول وهلة أن المادة (22) تمثل تطبيقًا لمفهوم العدالة التصالحية، غير أن هذا الوصف يحتاج إلى شيء من التدقيق.

فالعدالة التصالحية في صورتها التقليدية تقوم غالبًا على جعل الحوار والتعويض واستعادة العلاقة الاجتماعية بديلًا كليًا أو جزئيًا عن العقوبة والخصومة الجنائية.

أما المادة (22)، فلا تجعل الصلح بديلًا عن العقوبة، ولا تؤدي إلى إنهاء الدعوى، ولا ترفع يد الدولة عن الجريمة.

ومن ثم، فإنها لا تتطابق مع الصورة التقليدية للعدالة التصالحية، وإنما تقيم نموذجًا مختلطًا يجمع بين:

    • بقاء النظام العقابي.
    • الاعتراف بإرادة الورثة.
    • إدماج أثر الصلح في تقدير الجزاء.

ولهذا قد يكون وصف "العدالة العقابية التصالحية" أدق من وصف «العدالة التصالحية القضائية» وحده؛ لأن الأول يبين أن التصالح يعمل داخل إطار العقوبة، لا بدلًا منها.

عاشرًا: نظرية الاندماج العقابي للصلح الجنائي

على ضوء ما تقدم، فإننا نستحسن إطلاق وصف: "نظرية الاندماج العقابي للصلح الجنائي"

Theory of Penal Integration of Criminal Reconciliation  على النظام الذي أقامته المادة22.

ويقصد بهذه النظرية أن الصلح لا يؤدي إلى استبعاد العقوبة أو إسقاط الدعوى، وإنما يندمج في البنية القانونية للجزاء ويصبح عنصرًا مؤثرًا في مقداره، مع بقاء أصل الحق العام وسلطان الدولة في العقاب.

وتقوم هذه النظرية على خمسة مرتكزات مترابطة:

المرتكز الأول: بقاء الدعوى الجنائية

لا يترتب على الصلح انقضاء الدعوى أو محو الجريمة، وإنما تستمر الخصومة إلى أن يصدر الحكم وفق النظام العقابي المخفف.

المرتكز الثاني: احتفاظ الدولة بسلطة العقاب

لا يملك الورثة إسقاط الحق العام، وإنما تظل النيابة العامة صاحبة الدعوى، ويظل القضاء صاحب الولاية في الإدانة والعقاب.

المرتكز الثالث: الاعتراف القانوني بإرادة الورثة

لا تبقى إرادة الورثة واقعة اجتماعية محضة، وإنما تصبح واقعة قانونية يرتب عليها المشرع أثرًا موضوعيًا في الجزاء.

المرتكز الرابع: وجوب التخفيف مع قضائية تقدير مقداره

يكون الاعتداد بالصلح واجبًا متى ثبت، بينما يظل تحديد العقوبة داخل الحدود المخففة من اختصاص المحكمة.

المرتكز الخامس: اندماج السلم الاجتماعي في فلسفة الجزاء

لم تعد العقوبة تقاس فقط بجسامة الفعل وخطورة الجاني، بل يدخل في تقديرها – في الحدود التي حددها القانون – ما طرأ بعد الجريمة من مصالحة قد تسهم في تهدئة آثارها الاجتماعية.

الخلاصة

تنتهي رؤيتنا إلى أن المادة (22) لا تمثل مجرد إضافة تشريعية إلى حالات الصلح الجنائي، وإنما تؤسس لنموذج جديد في السياسة العقابية المصرية.

فهي لا تنقل سلطة العقاب إلى ورثة المجني عليه، ولا تجعل الجريمة شأنًا خاصًا، ولا تفرغ العقوبة من مضمونها، وإنما تقرر أن حق الدولة في العقاب لا يجب أن يظل جامدًا أمام تغير اجتماعي وقانوني اعتبره المشرع جديرًا بالاعتداد.

وبذلك لا يكون الصلح سببًا لإقصاء العقوبة، وإنما عنصرًا لإعادة تشكيلها.

ولا يكون بديلًا عن الحق العام، وإنما عاملًا يدخل في تحديد مقداره.

ولا تكون إرادة الورثة حاكمة على القضاء، وإنما منشئة لواقعة قانونية يطبق القضاء أثرها في الحدود التي رسمها المشرع.

ومن ثم، فإن جوهر المادة (22) يمكن التعبير عنه في العبارة الآتية:

الدولة لا تتنازل عن العقاب، والورثة لا يملكون إسقاطه، غير أن الصلح يغير التقدير التشريعي للقدر الواجب منه.

وهذه هي، في تقديرنا، حقيقة الاندماج العقابي للصلح الجنائي: أن يعمل الصلح داخل العقوبة لا خارجها، وأن يؤثر في مقدارها دون أن يمس أصلها، وأن يصبح أداة لتحقيق التوازن بين سيادة الحق العام، وتناسب الجزاء، ومتطلبات استعادة السلم الاجتماعي.

أ/ البير أنسي

بالنقض

##الإجراءات_الجنائية #محكمة_النقض #القانون_الأصلح_للمتهم #الصلح_الجنائي #القانون_المصري #دراسات_قانونية #قانون_174_لسنة_2025 #السياسة_العقابية

شارك هذا المقال

مقالات ذات صلة

ظاهرة تشابه الأسماء في قانون الإجراءات الجنائية الجديد القانون الجنائي

ظاهرة تشابه الأسماء في قانون الإجراءات الجنائية الجديد