العلامة الفقيه / أمية علوان
في حياة كل إنسانٍ لحظاتٌ يتوقف فيها الكلام قليلًا، ويصبح الصمت أبلغ من كثيرٍ من العبارات؛ لأن أمامنا أشخاصًا لا تستطيع الكلمات أن تمنحهم قدرهم، ولا تستطيع السطور أن تحيط بما تركوه في النفوس من أثر.
وهناك علماء لا تُقاس مكانتهم بعدد الكتب التي ألفوها، ولا بعدد الأبحاث التي نشروها، وإنما بما تركوه من نورٍ في عقول من عرفوهم، ودفءٍ في قلوب من اقتربوا منهم، وأثرٍ يبقى حتى بعد أن تمضي السنوات.
ومن هؤلاء، بل في مقدمة هؤلاء الذين يستحقون منا كل محبة وتقدير ووفاء، يأتي اسم العلامة الفقيه:
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في حق هذا العالمٍ الكبير، أن علمه لم يفسد إنسانيته، وأن اتساع معرفته لم ينتقص من تواضعه، وأن المكانة التي بلغها لم تحجبه عن الناس.
وهذا تحديدًا ما يجعل الحديث عن الدكتور أمية علوان حديثًا عن العلم وجمال الروح في آنٍ واحد.
فهو ليس مجرد فقيهٍ متخصص، وإنما واحد من أولئك العلماء الذين اتسعت عقولهم حتى ضاقت بها حدود التخصص الواحد؛
فجمع بين القانون المقارن والقانون الإسلامي، وأطلّ على المدارس القانونية المختلفة، وعرف الشريعة الإسلامية والقوانين اللاتينية والجرمانية والأنجلوأمريكية، وظل يتابع حركة الفكر القانوني في العالم بشغف الباحث الذي لم يعرف يومًا معنى الاكتفاء.
وُلد الدكتور أمية حسن علوان في القاهرة عام ١٩٣٢، ونشأ في بيتٍ للعلم واللغة؛ فوالده الأستاذ حسن علوان كان من رجال اللغة العربية، وعمل مدرسًا بدار العلوم ووكيلًا لوزارة المعارف، وأسهم في الحياة العلمية والأدبية بعدد من المؤلفات والأبحاث.
وكأن القدر كان يهيئ منذ البداية لهذا الابن طريقًا طويلًا في رحاب المعرفة.
تخرج الدكتور أمية من كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام ١٩٥٣ متصدرًا دفعته، ثم واصل دراساته القانونية في فرنسا وألمانيا، حتى حصل على الدكتوراه من جامعة هايدلبرج عام ١٩٦٢ بتقدير ممتاز، عن دراسة في النيابة من منظور قانوني وتاريخي مقارن.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمه بجامعة هايدلبرج ومعهد القانون المقارن بها، ليصبح هذا الصرح العلمي الكبير واحدًا من أهم محطات عطائه، وليتحول اسمه مع مرور العقود إلى علامة بارزة في مجال القانون المقارن والقانون العربي والإسلامي.
لكن السيرة العلمية، مهما بلغت عظمتها، لا تكشف وحدها سرّ الرجل.
فالذين عرفوا الدكتور أمية علوان عن قرب يعرفون أن وراء هذا العقل القانوني الكبير قلبًا شديد الإنسانية، وروحًا رقيقة، ونفسًا محبة للخير، ويدًا تمتد بالتشجيع لكل من يطلب علمًا أو نصيحة أو كلمة طيبة.
وقد تكون هذه هي أعظم خصال العالم الحقيقي:
أن تزداد علمًا، فتزداد تواضعًا.
وأن تزداد مكانة، فتزداد رحمة.
وأن تتسع معرفتك، فيتسع معها قلبك للناس.
ومن أجمل ما يروى عن الدكتور أمية علوان اعتزازه بلغته العربية ومصريته، رغم سنوات العمر الطويلة التي عاشها في ألمانيا، ورغم إجادته لعدد من اللغات.
فقد بقيت مصر في قلبه، وبقيت العربية في وجدانه، وكأن الغربة لم تستطع يومًا أن تنتزع من العالم وطنه.
وهذا الوفاء للوطن واللغة ليس تفصيلًا عابرًا في سيرته؛ بل هو جزء من شخصيته العلمية والإنسانية.
لقد كان قادرًا على أن يعيش في الغرب وأن يصبح جزءًا منه، لكنه اختار أن يكون مصريًا في العالم، لا غريبًا عن مصر في العالم.
وحين نقرأ قائمة إسهاماته العلمية، ندرك حجم الرحلة التي قطعها هذا الرجل.
فقد كتب وبحث وشارك في موضوعات تمتد من القانون الإسلامي والقانون المقارن، إلى العقود والشركات، والأحوال الشخصية والميراث، والطلاق، وحقوق الإنسان، والتحكيم، والقانون الدولي، والنظم القانونية العربية والأجنبية، وأسهم في التعريف بالقانون العربي والإسلامي في الأوساط القانونية الأوروبية.
ومن بين أعماله وإسهاماته ما اتصل بقانون العقود الفرنسي، وقوانين الأسرة والميراث في عدد من الدول العربية، والقانون الإسلامي وتطبيقه أمام المحاكم الغربية، وحقوق الإنسان في الإسلام، وقوانين الشركات، والتحكيم، وغيرها من الموضوعات التي تؤكد اتساع أفقه وعمق تجربته.
وليس غريبًا بعد كل هذا أن يُحتفى به في ألمانيا عندما بلغ التسعين من عمره، في مؤتمر علمي أقيم في أكتوبر ٢٠٢٢ بجامعة هايدلبرج، تكريمًا لمسيرة عالم مصري امتدت لأكثر من ستة عقود.
ما أجمل أن يصل الإنسان إلى التسعين، فيجد أن عمره لم يمضِ… بل ترك وراءه أثرًا.
وما أجمل أن يكون تكريم العالم في حياته، وأن يسمع كلمة الوفاء وهو بيننا، وأن يرى ثمرة ما زرع، وأن يعلم أن هناك من يتذكره، ويقدر عطاءه، ويحفظ جميله.
ومن هنا يأتي حديثنا اليوم ، ليس حديث ناشرٍ عن كتاب، ولا حديث مؤسسةٍ عن إصدار جديد ، وإنما هو حديث قلبٍ عن رجلٍ يستحق الوفاء.
ففي #دار_الأهرام_للإصدارات_القانونية، يسعدنا ويشرفنا أن يكون من أحدث إصداراتنا العمل الذي يحمل اسم هذا العالم الجليل:
«يُونيدروا » بمشاركة القامتين الكبيرتين : الأستاذ الدكتور محمد حسام الدين لطفي ، والأستاذ الدكتور
محيي الدين إسماعيل 👇🏻👇🏻👇🏻
يونيدروا – الترجمة العربية لمبادئ يونيدروا في العقود التجارية الدولية
وهو عمل يتصل بمبادئ يونيدروا للعقود التجارية الدولية، ويأتي امتدادًا لمسيرة علمية طويلة كان للدكتور أمية علوان فيها حضورٌ بارز في نقل المعرفة القانونية العالمية إلى العربية، وربط الفقه العربي بالاتجاهات الحديثة في القانون الدولي والمقارن.
إن وجود هذا الكتاب بين إصدارات دار الأهرام يعني لنا أكثر بكثير من إضافة عنوانٍ جديد إلى رفوف المكتبة القانونية.
إنه شرفٌ ومسؤولية وامتنان.
شرف أن نحمل اسم عالمٍ مصري كبير على صفحات أحد إصداراتنا، ومسؤولية أن يصل علمه إلى أجيال جديدة من الباحثين والقانونيين، وامتنان لرجلٍ جعل من حياته مساحةً واسعة للعطاء، ومن معرفته جسرًا بين مصر والعالم.
ولعل أجمل ما في «يونيدروا» أن عنوانه نفسه يحمل معنى يشبه رحلة صاحبه:
المساهمات العالمية للفقه المصري.
فالدكتور أمية علوان واحد من أولئك الذين أثبتوا أن الفقه المصري لم يكن يومًا حبيس حدوده، وأن العالم المصري يستطيع أن يقف في قلب المشهد القانوني العالمي، وأن يتحدث إلى الآخر من موقع العالم الواثق بجذوره، المعتز بلغته، المنفتح على العالم.
واليوم، ونحن نقدم هذا الإصدار، لا يسعنا إلا أن نقول له:
شكرًا يا أستاذنا الجليل… شكرًا على عمرٍ من العلم.
وعلى سنواتٍ طويلة من العطاء، وعلى ما قدمته للفقه
والقانون.
شكرًا بإسم مصر التي حملتها في قلبك إلى ألمانيا.
شكرًا على كل كلمة علم، وكل نصيحة، وكل تشجيع،
وكل يدٍ امتدت بالخير.
وشكرًا قبل كل ذلك على جمال الروح؛ فكم من عالمٍ
ملأ الكتب علمًا، ولم يستطع أن يملأ القلوب محبة.
أما أنت، فقد اجتمع لك علمٌ واسع وقلبٌ رحيم وروحٌ جميلة وتواضعٌ يليق بالكبار.
وإن كان لنا من أمنية اليوم، فهي ليست للكتاب وحده، ولا للدار وحدها، وإنما هي لهذا القلب الكبير:
نسأل الله أن يمدكم بالصحة والعافية، وأن يبارك في عمركم، وأن يمنحكم من القوة والطمأنينة بقدر ما منحتم العلم والناس من وقتكم وعطائكم، وأن يجعل ما قدمتموه في ميزان حسناتكم، وأن يكتب لكم من جميل الأثر ما يبقى بعد العمر.
فالعمر يمضي…والكتب تبقى…والأسماء قد تبهت…
لكن أثر الإنسان الجميل لا يشيخ.
وكم نتمنى أن يأتي يومٌ تقرأ فيه أجيالٌ جديدة اسم أمية علوان، فلا تعرف فقط أنه كان فقيهًا مصريًا كبيرًا عاش في ألمانيا، بل تعرف أنه كان واحدًا ممن حملوا اسم مصر وعلمها ولغتها وروحها إلى العالم.
طاب عمركم بالعلم،وطابت أيامكم بالصحة، وطابت روحكم بما تركتم من أثر، وطابت سيرتكم بما حملتم من جميل الذكر.
دمتم لنا وللعلم منارة،ودمتم لمصر اسمًا نفخر به،ودمتم بصحةٍ وعافيةٍ وسكينة،وأطال الله في عمركم، وأحسن ختام أيامكم، وبارك لكم في كل حرفٍ علمتموه، وكل إنسانٍ أعنتموه، وكل أثرٍ طيبٍ تركتموه.
فالوفاء للعلماء ليس مجاملة…بل دينٌ في أعناق من عرفوا قدر العلم.








