همسات قانونية ..
بقلم للأستاذ الدكتور طارق سرور.
المحاكمــــة الجنائيـــــــــــة عن بُعد
في قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
والمجلس الدستوري الفرنسي وقانون ٢٣ يوليه ٢٠٢٦
هل الحضور الإلكتروني مجرد صورة حديثة لحضور
المتهم أمام قاضيه، … أم أن للحضور المادي قيمة
مستقلة بوصفه ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة؟
قد لا تمثل المحاكمة عن بُعد - في ذاتها - أمرا سلبيا،
بل قد تكون وسيلة مهمة لتطوير العدالة الجنائية
وتسريع إجراءاتها.
إلا أن الإشكال يبدأ عندما تتحول من وسيلة إجرائية
استثنائية أو اختيارية إلى «بديل عام» عن الحضور
المادي للمتهم في مختلف مراحل الدعوى، ولا سيما
في مواد الجنايات.
موقف المحكمة الأوروبيــــة لحقـوق الإنســـــان
أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قاعدة مهمة،
مؤداها أن مشاركة المتهم في المحاكمة عن طريق
الاتصال المرئي لا تمثل ،- في ذاتها - مخالفة للاتفاقية
الأوروبية لحقوق الإنسان. إلا أنه يتعين التحقق، في كل
حالة، من أمرين:
١. أن يكون اللجوء إلى هذه الوسيلة محققا لغرض مشروع.
٢. أن تتم مشاركة المتهم على نحو يتفق مع متطلبات
المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع المنصوص عليها في
المادة ٦ من الاتفاقية.
وتوضح قضيتان الضوابط التي وضعتها المحكمة في
هذا الشأن
ففي قضية Marcello Viola v. Italy، كان المتهم يحاكم
عن جرائم مرتبطة بتنظيم إجرامي، (المافيا). واعتبرت
المحكمة أن اعتبارات الأمن ومنع الهرب وحماية الشهود
والضحايا .. وتجنب المخاطر والتأخير المرتبطين بنقل
السجين الخطر، .. يمكن أن تمثل أغراضا مشروعة تبرر
اللجوء إلى المحاكمة عن بُعد.
ويلاحظ أن قبول المحكمة لم يقم على مجرد وجود مبرر
لاستخدام الاتصال المرئي، .. بل ارتبط بتوافر ضمانات
فعلية .. تكفل مشاركة المتهم في المحاكمة مشاركة
حقيقية وفعالة. فقد كان يستطيع رؤية ما يجري في قاعة
المحكمة وسماعه، .. كما كان في مقدور المحكمة وباقي
الأطراف والشهود .. رؤيته وسماعه والتفاعل معه دون
إخلال بعلانية الجلسة أو بمبدأ المواجهة بين الخصوم
مع ضمان كفاءة الاتصال التقني.
أما في قضية … Sakhnovskiy v. Russia [GC]، فقد
أكدت المحكمة جانبا آخر بالغ الأهمية هو أن المحاكمة
عن بُعد يجب ألا تحول دون الاتصال الفعال والسري بين
المتهم ومحاميه. .. فلا يكفي أن يرى المتهم المحكمة
ويسمعها بل يجب أن تتاح له إمكانية التشاور مع محاميه
في سرية، .. وفي ظروف تسمح بممارسة الدفاع بصورة
فعالة. وقد انتهت المحكمة في تلك القضية إلى وقوع
انتهاك للمادة ٦.
ومن ثم، .. يمكن تلخيص معيار المحكمة الأوروبية في
المبدأ الأتي:
المحاكمة عن طريق الفيديو ليست محظورة في ذاتها
ولكن مشروعيتها لا تستمد فقط من مجرد توافر الاتصال
التقني، .. وإنما من وجود غرض مشروع ..ومن ضمان أن
تكون مشاركة المتهم مشاركة حقيقية وفعالة مع كفالة
حقوق الدفاع والاتصال السري بالمحامي.
التجربة الفرنسية وموقف المجلس الدستوري الفرنسي
لا يجيز قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، بصفة عامة
إجراء المحاكمة الجنائية بأكملها عن بُعد أمام محكمة
الجنايات.
وإنما تنظم المادة ٧٠٦ - ٧١ حالات محددة يجوز فيها
استخدام وسائل الاتصال السمعي البصري، ..من بينها
بعض أعمال التحقيق والاستجواب والمواجهة، وسماع
الشهود والخبراء،والإجراءات المتعلقة بالحبس الاحتياطي
وقد تدخل المجلس الدستوري الفرنسي
- (Conseil constitutionnel)
في مناسبات متعددة لرسم الحدود الدستورية لاستخدام
تقنية الاتصال المرئي عن بُعد، .. في الحبس الاحتياطي
وهو أحد المجالات المحددة حصراً .. والتي أجاز فيها
المشرع الفرنسي اللجوء إلى هذه التقنية بديلا عن
الحضور المادي.
فأصدر حكما في ٣٠ أبريل ٢٠٢٠
Décision n° 2020-836 ،
قضى بعدم دستورية استخدام الاتصال المرئي في بعض
الإجراءات المتعلقة بالحبس الاحتياطي دون موافقة
المحبوس.
ثم صدر حكم في 15 يناير ٢٠٢١، بشأن القواعد الاستثنائية
التي تقررت أثناء جائحة كورونا، … والتي كانت تسمح
باستخدام الاتصال المرئي دون موافقة الأطراف في نطاق
واسع من الإجراءات الجنائية.
ورغم تأكيد الحكم بأن حماية الصحة العامة وضمان
استمرار عمل القضاء يمثلان هدفين مشروعين،..فإنه
قضى بعدم دستورية النص، ..لاتاحة استخدام الاتصال
المرئي دون شروط أو معايير قانونية كافية.
وتأكد هذا الاتجاه بصورة أكثر وضوحا في حكم المجلس
الدستوري بتاريخ ١٠ أبريل ٢٠٢٦
Décision n° 2026-1192 QPC،
والذي نوه بدايةً علي أن النص المطعون عليه يمكن أن
يؤدي إلى حرمان المتهم لمدة قد تصل إلى سنة كاملة
من إمكانية المثول المادي أمام الجهة القضائية التي
تفصل في حبسه الاحتياطي، واعتبر أن ذلك يمثل مساسا
جسيماً بحقوق الدفاع، فقضى بعدم دستورية النص في
هذا النطاق، وقضي بأن المثول المادي للشخص المتهم
أمام القضاء الجنائي يمثل ضمانة قانونية للمتطلبات
الدستورية المتعلقة بحقوق الدفاع».
تعديل تشريعي في ٢٣ يوليـــــو ٢٠٢٦
في أعقاب هذا التطور الدستوري، ... تدخل المشرع
الفرنسي بموجب قانون ٢٣ يوليو ٢٠٢٦، معدلا المادة
٧٠٦-٧١ من قانون الإجراءات الجنائية، وواضعا تنظيما
أكثر تحديدا لاستخدام وسائل الاتصال السمعي البصري.
فأجاز النص -تحقيقا لحسن سير العدالة -استخدام هذة
الوسائل أثناء الاستدلال والتحقيق في سماع الأشخاص
واستجوابهم وإجراء المواجهة بينهم،
..كما أجاز استخدامها أمام محكمة الموضوع لسماع
الشهود والمدعين بالحق المدني والخبراء.
أما مثول المتهم المحبوس أمام محكمة الجنح عن بُعد،
فلا يجوز إلا بموافقة النيابة العامة … وجميع أطراف
الدعوى.
كما أجاز استخدامها في ..
بعض الإجراءات المتعلقة بالحبس الاحتياطي .. ومده
والطعن في القرارات الصادرة بشأنه، وفي بعض إجراءات
التحقيق، .… مع منح المحبوس احتياطيا حق رفض
استخدامها، ... إلا إذا اقتضت مخاطر جسيمة تتعلق
بالنظام العام أو الهرب أو خطورته الخاصة تجنب نقله
إلى المحكمة.
وفي جميع الأحوال،
أحاط المشرع استخدام هذه الوسائل .. بضمانات تتصل
بحقوق الدفاع، فأجاز وجود المحامي إلى جوار المتهم أو
أمام الجهة القضائية، وأوجب في الحالة الأخيرة، تمكينه
من الاتصال بموكله في سرية، … كما اشترط أن تعقد
الجلسة في ظروف تكفل للشخص حق تقديم ملاحظاته
بنفسه.
الخلاصـــــــــــــــــــــــة
اجازت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان استخدام الاتصال
المرئي متى استند إلى غرض مشروع، وكانت كانت مشاركة المتهم حقيقية وفعالة، .. مع كفالة حقوق الدفاع وإمكان الاتصال السري بالمحامي.
أما المجلس الدستوري الفرنسي .. فقد أبرز بصورة أوضح قيمة المثول المادي أمام القضاء الجنائي باعتباره ضمانة مرتبطة بحقوق الدفاع.
وهو الاتجاه الذي انعكس على تدخل المشرع الفرنسي في يوليو ٢٠٢٦ لإعادة تنظيم استخدام هذه الوسيلة. فلم يجعل هذه التقنية وسيلة لإجراء المحاكمة الجنائية برمتها عن بُعد.
ويقوم هذا التوجه على تدرج واضح…. فكلما اقترب الإجراء من جوهر المحاكمة ومن الممارسة الفعلية لحقوق الدفاع، ازدادت أهمية الحضور المادي للمتهم أمام قاضيه،
وبطبيعة الحال حضور دفاعه إلى جانبه، ايمانا منه بأن المثول أمام القاضي ليس مجرد اتصال سمعي وبصري وإنما هو ضمانة إجرائية ذات بعد إنساني وقانوني، تتيح التفاعل المباشر بين القاضي والمتهم وتكفل ممارسة حقوق الدفاع بصورة فعلية…….
موقف القانون المصــــــــــــري
يبقى السؤال مطروحا بشأن موقف قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ من المحاكمة الجنائية عن بُعد، فيما يتعلق بالمسائل المثارة حول مدى كفالة حقوق المتهم وضمانات الدفاع.
هذا ما سنبحثه في الهمسة القانونية القادمة
دكتور/ طارق سرور
أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي
بكلية الحقوق جامعة القاهرة











