هناك رجال يمرّون في مهنة المحاماة ،
وهناك رجال تمرّ المهنة من خلالهم إلى التاريخ.
أما الأستاذ #رجائي_عطية، فقد كان من أولئك الذين
اتخذوا من المحاماة وطنًا، ومن القانون شريعةَ عقل،
ومن الكلمة سيفًا لا يُشهر إلا في موضعه.
لم يكن محاميًا يجيد الوقوف أمام منصة القضاء
فحسب؛ بل كان فقيهًا يعرف من أين تُؤتى الحجة،
وأديبًا يعرف كيف تُصاغ الفكرة، … ومثقفًا اتسعت
رؤيته حتى جاوزت حدود قاعات المحاكم.
تولى منصب نقيب محامي مصر ورئيس اتحاد المحامين
العرب عام ٢٠٢٠، بعد رحلة طويلة من العطاء المهني
والفكري والنقابي لكن أجمل ما في سيرته أن الرجل لم
يسمح للمناصب أن تختصره ، فكان أكبر من منصب
وأوسع من لقب، وأبقى من كرسي.
… كان نقيبًا حين كان النقيب موقفًا، وفقيهًا حين كان
الفقه مسؤولية، … ومحاميًا حين كانت المحاماة عنده
عهدًا لا وظيفة.
شهدت ساحات القضاء أنّات صوته في قضايا من أشهر
قضايا العصر،وظل مؤمنًا بأن المرافعة ليست استعراضًا
للبيان، وإنما بحثٌ عن العدل بين ركام الوقائع، وانتصارٌ
للقانون حين يحتاج القانون إلى من ينتصر له.
وُلد في شبين الكوم عام ١٩٣٨، وتخرج من كلية الحقوق
بجامعة القاهرة عام ١٩٥٩،وبدأ طريق المحاماة في العام
نفسه؛ ..ثم خاض تجربة القضاء العسكري، قبل أن يعود
إلى القضاء الواقف، .. ليصنع مسارًا مهنيًا وفكريًا ظل
علامةً مضيئة في تاريخ المحاماة المصرية.
ثم حمل قلمه إلى آفاق أرحب؛ فكتب في القانون والفكر
والأدب والدين، وترك للمكتبة العربية مؤلفاتٍ كثيرة،
حتى بدا وكأن الرجل كان يحمل في صدره مكتبةً كاملة
تمشي على قدمين؛ فإذا تحدث في القانون أنصت الفقه،
وإذا كتب في الأدب ابتسمت اللغة، .. وإذا ناقش قضيةً
عامة اتسع المشهد حتى يرى القارئ ما وراء السطور.
كتب للإذاعة والتليفزيون، واشتغل بالصحافة والأدب
والفكر، ..وترك وراءه عشرات المؤلفات، …من بينها:
رسالة المحاماة، ومن تراب الطريق، وفي مدينة العقاد،
والسيرة النبوية في رحاب التنزيل،ولماذا أقاتل بالكلمات،
والتجديد في الفكر والخطاب الديني، ..وحقائق القرآن
وأباطيل الأدعياء، والإسلام والعلم والحضارة، ونور الله
في الآدميين، ….. وغيرها كثير.
ولعل من أجمل ما خلّفه هذا العقل القانوني الكبير
موسوعة من حصاد المحاماة ؛ الذي جمع فيها خلاصة
تجربة عمرٍ طويل في ساحات المحاماة والفقه والقضاء.
وقد تشرفنا في #دار_الأهرام_للإصدارات_القانونية بأن
تنشر هذا الحصاد النفيس من علمه القانوني على مدار
العمر، في موسوعةٍ مهيبة جاءت في ثلاثين جزءًا…
… ثلاثون جزءًا، لكنها في الحقيقة ثلاثون شمسًا تضيء
الطريق، .…ثلاثون شمسًا، أودع فيها خلاصة التجربة،
ووهج المعرفة، وخبرة السنين؛
https://www.darelahram.com/books/من-حصاد-المحاماة
فكل جزءٍ منها نافذة على جانب من خبرات المحاماة،
وكل صفحةٍ منها تحمل أثر عقلٍ ظل يقرأ ويفكر ويجادل
ويكتب حتى آخر الطريق.
وكأنه ، وهو يكتب هذه الصفحات، كان يعرف أن العمر
مهما طال لا بد أن ينتهي، فاختار أن يترك من عمره كتابًا
يبقى؛ وأن يحوّل سنواته التي عاشها بين ملفات القضايا
وأروقة المحاكم ومجالس العلم .. إلى تراثٍ تنتفع به
أجيال تأتي من بعده.
ثم جاءت الخاتمة ... التي لا يستطيع القلم أن يتجاوز
رهبتها… في ٢٦ مارس ٢٠٢٢، رحل رجائي عطية وهو في
قلب ساحات المحاماة، بعد أن سقط مغشيًا عليه أثناء
وجوده في محكمة جنوب الجيزة مرتدياً ثوب الشهامة
للدفاع عن أحد أبناء المهنة.
رحل الجسد…لكن المشهد نفسه بدا وكأنه يليق بخاتمة
رجلٍ عاش للمحاماة، … فيغادر الدنيا من المكان الذي
أمضى عمره يدافع فيه عن معنى العدالة.
ولهذا سيظل في وجدان المحامين أكثر من اسم نقيبٍ
راحل؛ سيظل أثرًا … والأثر لا يموت.
سيظل في كتبه، وفي مرافعاته، وفي كلماته، وفي أجيال
المحامين الذين قرأوا له وفي كل شابٍ يفتح من حصاد
المحاماة بحثًا عن إجابة، …فيجد إلى جوارها شيئًا من
روح صاحبها.
… سيظل حاضرًا .. كلما وقف محامٍ أمام منصة القضاء،
يحمل ملفه بيد، ويحمل في قلبه عهد المحاماة باليد
الأخرى.
رحم الله الأستاذ #رجائي_عطية؛
النقيب، والفقيه، والأديب، والمفكر، والمحامي الذي
جعل من الكلمة قضية، … ومن القضية رسالة، ومن
المحاماة عمرًا كاملًا.
رحم الله شهيد المحاماة فقد رحل الرجل، و لكن بقيت
الشمس ، بل بقيت ثلاثون شمسًا….تضيء الطريق لكل
من أراد أن يسلك درب المحاماة على هدى العلم،
وصدق الرسالة، وشرف المهنة.











