هناك رجال يكتبون الكتب، وهناك رجال تكتبهم الكتب
في ذاكرة العلم.
وبين الفريقين مسافة لا يقطعها إلا من استطاع أن
يجعل من العلم حياة، ومن المعرفة مسؤولية، ومن
القانون رسالة تتجاوز صفحات المؤلفات إلى واقع
الناس ومؤسسات الدولة.
ومن هذه القامات يجيء اسم :
الأستاذ الدكتور #فتحي_فكري
ففي جامعة القاهرة كان حاضرًا في تكوين أجيال من
الباحثين والدارسين، وفي الإشراف على الرسائل العلمية
وفي بناء عقل قانوني ينظر إلى النص الدستوري باعتباره
إطارًا ينظم علاقة الدولة بالسلطة والإنسان.
ولم يكن عطاؤه العلمي وليد مرحلة واحدة.
فكتابه .. القانون الدستوري .. ظل حاضرًا في المكتبة
القانونية عبر طبعات تناولت المبادئ الدستورية العامة
وتطبيقاتها في مصر، .. وانتقل في تطوره من معالجة
دستور ١٩٧١ إلى معالجة دستور ٢٠١٤، في متابعة علمية
لتغير النصوص وتحول البيئة الدستورية المصرية.
كما امتدت اهتماماته إلى القانون البرلماني والرقابة
الدستورية، فله مؤلف في وجيز القانون البرلماني في
مصر، كما تناول في أبحاثه مسائل دقيقة مثل مركزية
الرقابة الدستورية وإمكان امتناع المحاكم عن تطبيق
النصوص المخالفة للدستور.
و لكن سيرته ... لا تقف عند حدود المدرج الجامعي.
ففي لحظة .. من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ
المصري الحديث، .. انتقل الأستاذ من مدرج الجامعة
إلى ميدان المسؤولية التنفيذية.
في السابع من ديسمبر عام ٢٠١١ أدى اليمين الدستورية
وزيرًا للقوى العاملة والهجرة في حكومة الدكتور كمال
الجنزوري، ليجد الفقيه الدستوري نفسه أمام ملفات لا
تُقرأ في الكتب وحدها؛ وإنما ملفات العمال، والبطالة
..والحريات النقابية، ... والعمالة المصرية في الخارج
والحوالات الصفراء، والاحتجاجات العمالية، ...وعلاقة
الدولة بأطراف العملية الإنتاجية.
وتروي الصحافة آنذاك موقفًا لافتًا من تلك المرحلة؛
إذ ترك سيارته الخاصة جانبًا ولم يستخدم سيارة الوزارة
عند ذهابه لأداء اليمين، .. كما أغلق مكتب المحاماة
الخاص به مؤقتًا طوال فترة توليه الوزارة. وقد عُدَّ ذلك
تعبيرًا عن الفصل بين العمل العام والعمل الخاص.
وفي الوزارة، فقد تحدث بوضوح عن الحريات النقابية،
وحقوق العمالة المصرية في الخارج، وضرورة تحقيق
التوازن بين العمال وأصحاب الأعمال. كما شهدت فترة
توليه الوزارة …بدء إجراءات صرف الحوالات الصفراء
للمصريين … الذين كانت لهم مستحقات عالقة لدى
العراق، وهو ملف امتد لسنوات طويلة.
وفي إحدى زياراته، فاجأ مكتب عمل النزهة دون ترتيب
مسبق، .. وحاول أن يرى بنفسه مستوى الخدمة التي
يتلقاها المواطن، .. في صورة تكشف جانبًا آخر من رجل
القانون حين وجد نفسه مسؤولًا عن جهاز يتعامل يوميًا
مع الناس.
ثم عاد الرجل إلى مكانه الأول.
عاد إلى الجامعة، إلى الأستاذية، إلى البحث، والمحاضرة
وإلى مكتبه الذي كان يلتقي فيه العلم بالقانون بالإضافة
إلى عمله أستاذًا للقانون الدستوري بكلية الحقوق،
وهنا ربما تكمن إحدى أجمل مفارقات سيرته:
أن الرجل حينما خرج يومًا من الجامعة إلى الوزارة، لم
تبتلعه الوزارة؛ وحينما دخل عالم المسؤولية العامة، لم
يفقد ملامح الأستاذ؛ وحينما عرف النصوص لم يبتعد
عن الإنسان الذي وُضعت النصوص من أجله.
فظل الأستاذ أستاذًا، وظل الفقيه فقيهًا، وظل المحامي
قريبًا من ساحات القانون، وحين عاد إلى الجامعة، عاد
ومعه تجربة لا تمنحها الكتب وحدها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن أستاذٍ قضى عمره بين
النص والواقع: أن بعض العلماء يتركون وراءهم كتبًا…
أما الكبار منهم، فيتركون طريقةً في التفكير.
وهذا هو الإرث الذي لا يُقاس بعدد الصفحات، ولا بعدد
الطبعات، ولا بعدد السنوات التي مرت؛ وإنما بما يظل
من حب في عقول تلاميذهم، وفي أقلام الباحثين، وفي
مكتبات القانون.
وقد تشرفنا في #دار_الأهرام_للإصدارات_القانونية أن
يكون لنا نصيبٌ من هذا العطاء العلمي الرفيع، وأن
نحمل إلى رجال القانون جانبًا من تراث أستاذٍ كبير،
أفنى سنوات عمره في خدمة العلم، وترك في ميدان
القانون الدستوري أثرًا لا تكتفي دالأيام بمحوِه.
وما احتفاؤنا بالدكتور فتحي فكري إلا وفاءٌ للعلم وأهله
وتعبيرٌ عن مودةٍ صادقة وتقديرٍ مستحق لقامةٍ علميةٍ
نعتز بها، ونرى في عطائها صفحةً مضيئة من صفحات
القانون المصري والفقه الدستوري العربي.
نسأل الله أن يمدّه بموفور الصحة والعافية، وأن يبارك
في عمره وعلمه، وأن يظل قلمه حاضرًا، وعطاؤه متصلًا،
وأن تظل كلماته ومعارفه زادًا للأجيال، وشعلةً تنتقل من
يدٍ إلى يد، ومن أستاذٍ إلى تلميذ.
فالعلم الجميل لا تنتهي مهمته بانتهاء الكتاب، وإنما
يبدأ أثره حين يستقر في العقول والقلوب.











