بعض الأسماء، حين نستدعيها، يحضر معها قدر كبير
من العلم، وشيءٌ من الهيبة، وكثيرٌ من الهدوء والوقار.
ومن تلك الأسماء الكبيرة التي استقرت في الذاكرة
القانونية بهدوءٍ يشبه أصحابها، يأتي اسم:
الأستاذ الدكتور
#حسين_الماحي
أستاذ القانون التجاري والبحري
وعميد كلية الحقوق بجامعة المنصورة الأسبق
اسم له وزن كبير ارتبط بمسيرةٍ علمية طويلة، وبحضور
أكاديمي ترك أثره الكبير في كل منصب تولاه وفي كل
مكان مر به ، وفي نفوس تلاميذه والباحثين الذي حملوا
من علمه ما امتد بهم إلى أجيالٍ تالية.
إنه من ذلك الجيل الذي يرى أن العلم لا تكتمل قيمته
إلا حين تسنده الأخلاق، وأن الأستاذ لا يُقاس بما يختزنه
من معرفة فحسب، وإنما بما يتركه من أثر، وبالطريقة
التي يمنح بها علمه للآخرين.
ولعل هذا ما يجعل للقاءه مذاقًا خاصًا؛ ففي شخصيته
كلاسيكيةٌ محببة، ورقيٌّ هادئ، ووقارٌ لا يحتاج إلى تصنع
هو من أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم لتُسمع هيبتهم،
ولا يتكلفون ليشعر من حولهم بمكانتهم؛ ففي حضوره
أدب وفي حديثه هدوءٌ يبعث على الألفة، وفي تعامله ودٌّ
إنساني يجعل المسافة بين الأستاذ وتلاميذه ومحبيه
أقرب مما توحي به مكانته العلمية.
وفي رحاب العمل الأكاديمي، امتدت مسيرته في مدارج
الأستاذية حتى بلغ مكانة-الأستاذ- في القانون التجاري
والبحري، .. ثم تولّى رئاسة القسم وعمادة كلية الحقوق
بجامعة المنصورة، ليصبح اسمه أحد أهم الأسماء التي
ارتبطت بتاريخ هذه الكلية العظيمة.
ولم تكن العمادة عنده نهاية الرحلة، بل محطةً مضيئة
في طريقٍ أطول من المناصب؛فقد واصل عطاءه العلمي
بعد التفرغ ، ... أستاذًا متفرغًا بقسم القانون التجاري
والبحري، وظل حاضرًا في البحث والإشراف والمناقشات
العلمية، ..يشارك خبرته مع الباحثين، ويمنح الدراسات
العليا من وقته وعلمه، .. مؤمنًا بأن المعرفة لا ينبغي أن
تتوقف عند صاحبها، وإنما عليها أن تعبر منه إلى غيره.
وكان هذا الحضور العلمي متصلًا دائمًا بتحولات الواقع؛
.. فقد ظل يتابعه وهو يتغير مع حركة الاقتصاد والتجارة
والتكنولوجيا .. والأسواق الدولية، .. وامتد اهتمامه إلى
قضايا الشركات، .. وإعادة هيكلة المشروعات المتعثرة
والتجارة الإلكترونية، .. والتحكيم والتجارة الدولية؛ وهي
موضوعات تكشف عن عقلٍ علمي يعرف جذوره جيدًا،
لكنه لا يغلق نوافذه أمام المستقبل.
ومن هنا جاءت مؤلفاته الحديثة التي تشرفت دار الأهرام
بأن تحمل اسمها وتقدمها إلى المكتبة القانونية؛
مؤلفات لا تبدو متفرقة في موضوعاتها ..بقدر ما تبدو
حلقاتٍ متصلة في مشروع علمي واحد، يتابع التجارة
في مراحلها المختلفة وتحولاتها المتلاحقة.
ففي مؤلفه الشركات التجارية يقترب من البناء القانوني
للمشروع التجاري، .. بما يحيط به من علاقات ومصالح
وتشابكات، …وفي - تنظيم إعادة الهيكلة والصلح الواقي
والإفلاس ينتقل إلى اللحظة التي يتعرض فيها المشروع
للتعثر، فيبحث في الوسائل القانونية التي تتيح إنقاذه
وإعادة تنظيم أوضاعه، وتحقيق التوازن بين أطرافه.
… ثم يفتح بابًا على عالمٍ جديد في - أطر قانونية في
معاملات التجارة الإلكترونية - ..حيث لم تعد التجارة
مقيدةً بمكان،ولا المعاملة بحاجةٍ دائمًا إلى ورق، وأصبح
العقد قد يولد في فضاءٍ رقمي عابر للحدود.
ويأتي- بالتحكيم المؤسسي في التجارة الدولية- ليكتمل
معه هذا الامتداد إلى عالم التجارة العابرة للحدود،
حيث تتعدد النظم القانونية وتتداخل المصالح، ويصبح
التحكيم إحدى الآليات المهمة في تسوية المنازعات
التجارية الدولية.
وهكذا تتجاور هذه الأعمال .. وكأنها فصول من حكاية
واحدة: .. من الشركة حين تبدأ، والمشروع حين يتعثر،
.. والتجارة حين تعبر إلى العالم الإلكتروني والنزاع حين
يتجاوز حدود الوطن.
وهنا تتجلى .. قيمة العالم .. الذي يظل قريبًا من عصره؛
فلا يكتفي بأن يشرح القانون كما كان، وإنما يظل يقظًا
لما استجد، …… باحثًا عن كيفية استيعاب التحولات
الجديدة دون أن يفقد القانون أصوله ورصانته.
أستاذنا الجليل
بعض الأساتذة نقرأ كتبهم، ثم نمضي؛ أما أنت فستظل
دائماً عالقاً بالذاكرة مرتبطاً بشيء من الذكرى الجميلة
التي لا تغادر القلب.
و تأتي كلماتنا اليوم وفاءً قبل أن تكون تعريفًا، ومحبة
قبل أن تكون احتفاء ووفاءً لاسمٍ كبير أفنى جانبًا من
عمره في العلم، … ومحبةً لأستاذٍ ..جمع بين المكانة
العلمية ورقي الإنسان، ..وامتنانًا لمسيرةٍ تركت أثرها في
الجامعة والبحث والكتاب.
وتعتز #دار_الأهرام_للإصدارات_القانونية بأن تكون لها
هذه المساحة من الطريق إلى جوار هذا الإسم العلمي
الكبير ، وأن تتشرف بإصدار جانبٍ من أعماله الحديثة؛
إيمانًا منها .. بأن نشر مؤلفات الكبار ليس مجرد صناعة
كتاب، .. وإنما حفظٌ لأثر، وصونٌ لذاكرة، وإيصالٌ للعلم
إلى من سيأتي بعدنا.
أستاذنا الجليل…
يبقى للعلم عمرٌ آخر، هو ذلك العمر الذي تمنحه الكتب
لأصحابها حين تطول بهم السنوات،ويبقى للإنسان عمرٌ
أجمل،هو ما يتركه في نفوس من عرفوه، وتعلموا منه،
وأحبوه.
نسأل الله أن يمدكم بموفور الصحة والعافية، وأن يطيل
في عمركم، ويبارك في علمكم وعطائكم، وأن يظل
حضوركم بيننا كما عرفناه دائمًا: قيمةً علميةً وإنسانيةً
نعتز بها، واسمًا كبيرًا نحفظ له قدره، ونحمل له في
القلب كل تقدير ومحبة ووفاء.
دام عطاؤكم…ودام حضوركم…ودام اسمكم مضيئًا
في سماء القانون المصري والعربي .
أسرة #دار_الأهرام_للإصدارات_القانونية










