بعض العلماء يتركون كتبًا…
وبعضُهم يتركون وراءهم طريقًا يسير فيه الآخرون.
ومن أولئك الذين تركوا في علم المرافعات طريقًا واضح
المعالم، .. هذا الإسم الكبير في سجل الفقه القانوني:
الأستاذ الدكتور #أحمد_مليجي
فلم تكن رحلتة مع القانون وظيفةٍ أكاديمية فحسب،
ولا مجرد صعودٍ في درجات الجامعة؛ وإنما كانت رحلةَ
عمرٍ مع العلم، بدأها بالتكوين الأكاديمي الدقيق، ثم
مضى بها حتى أصبح واحدًا من الأسماء البارزة في مجال
قانون المرافعات والتنفيذ.
حصل على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام
١٩٧٣ ، .. ثم واصل دراسته العليا، فنال دبلوم القانون
العام، ودبلوم القانون المقارن، ثم الدكتوراه في القانون
الخاص عام ١٩٧٩.
وبعد ذلك أخذ مكانه في رحاب الجامعة؛ مدرسًا، ثم
أستاذًا مساعدًا، حتى بلغ درجة الأستاذية بقسم القانون
الخاص بكلية الحقوق – جامعة أسيوط عام ١٩٨٩.
ولم يكن العلم عنده بعيدًا عن المسؤولية؛ فتولى رئاسة
قسم القانون الخاص، .. ثم تولى منصب وكيل الكلية
لشؤون الدراسات العليا والبحوث، ثم حمل مسؤولية
عمادة كلية الحقوق بجامعة أسيوط في الفترة من ١٩٩٦
إلى ١٩٩٩.
وهكذا اجتمع في مسيرته ما ندر أن يجتمع في رجلٍ واحد:
أستاذٌ يعلّم، وباحثٌ يؤصل، وعميدٌ يدير، وفقيهٌ يكتب،
… .وممارسٌ يعرف كيف تنتقل القاعدة القانونية من
صفحات الكتب إلى ساحات العمل.
وقد جمع بين الدرس الأكاديمي والخبرة العملية؛ فعُرف
كذلك كمحامٍ أمام محكمة النقض والمحاكم العليا
والدستورية العليا، وهي خبرةٌ أضفت على كتاباته صلةً
وثيقةً بالواقع القضائي والعملي.
وكان من الطبيعي أن تخرج من هذه التجربة مؤلفاتٌ لا
تقف عند حدود الشرح النظري، وإنما تحاول أن تمسك
بخيوط المسألة القانونية من جميع أطرافها.
فجاءت أعماله في قانون المرافعات ، والتنفيذ شاهدةً
على نَفَسٍ موسوعي، وعينٍ فاحصة، وعقلٍ لا يرضى بأن
يترك المسألة القانونية نصف مكتملة.
ومن أبرز آثاره:
الموسوعة الشاملة في التعليق على قانون المرافعات،
.. والموسوعة الشاملة في التنفيذ، ..وإشكالات التنفيذ
ومنازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية، ..وأوجه الطعن
بالنقض المتصلة بواقع الدعوى،واختصام الغير وإدخال
الضامن في الخصومة، وركود الخصومة المدنية بسبب
الشطب أو الوقف أو الانقطاع، … والتحكيم إلى جانب
غيرها من الأعمال التي أثرت المكتبة القانونية.
وهذه هي قيمة العالم الحقيقي…
أن لا يكون علمه حبيس قاعة المحاضرة، .. ولا حبيس
رفوف المكتبة، وإنما يصبح زادًا للقاضي، وأداةً للباحث،
ودليلًا عملياً للمحامي، ومرجعًا لكل من أراد أن يقترب
من دقائق القانون.
لقد مضى صاحبُ السيرة، وبقيت سيرته و غاب الجسد،
وبقيت الصفحات ، .. وسكت الصوت، ..وبقيت كلماته
تتحدث كلما فتح باحثٌ كتابًا من كتبه، أو عاد محامٍ إلى
رأيٍ من آرائه، أو وجد قاضٍ في مؤلفاته ما يعينه على
استجلاء مسألةٍ من مسائل المرافعات.
وهكذا يكون خلود العالم…لا بأن يبقى اسمه على غلاف
… بل بأن يبقى علمه حيًّا في عقول من جاءوا بعده.
وكان لنا في #دار_الأهرام_للإصدارات_القانونية شرف
عظيم أن نحمل جزءاً من تراث هذا الفقيه الكبير ، وأن
نشارك في إبقاءه حاضرًا في المكتبة القانونية من خلال
إعادة إصدار الموسوعة الشاملة في التنفيذ في طبعة
محدثة ومنقحة، ... قام بتنقيحها وتحديثها المستشار
الكبير الأستاذ أحمد محمود موافي.
رحم الله الأستاذ الدكتور أحمد مليجي،وجزاه عن العلم
وأهله خير الجزاء، وأبقى علمه نورًا تهتدي به أجيال
القانون من بعده.











