هناك علماء إذا قرأت لهم ازددت علمًا،
وإذا مررت على أعتابهم ازددتَ إنسانية.
وهناك رجال لا تكفي الكتب للحديث عنهم؛ لأن أجمل
ما في سيرتهم ليس ما كتبوه فقط، بل ما تركوه في
نفوس من عرفوهم.
ومن هؤلاء القامات العلمية والإنسانية الكبيرة،
الدكتور #مصطفى_البنداري_أبو_سعدة.
رجل اقترب من العلم طويلًا، حتى صار جزءًا من روحه،
وصعد في مدارج المكانة والمناصب عاليًا، لكنه لم
يصعد يومًا فوق الناس؛فبقي قريبًا من البسطاء، دافئ
الحضور، ..لا يضع بينه وبين القلوب حواجزَ الألقاب.
عاش بين القانون وتشريعاته ومؤسساته، فلم يزدْه
العلم إلا تواضعًا، ولم تمنحه المكانة إلا مزيدًا من
الرحمة، وكأنما أدرك مبكرًا أن العلم الحقيقي لا يرفع
الإنسان فوق الآخرين، بل يرفعه في داخله؛يجعله أقدر
على فهم الناس، وأرقّ في معاملتهم، وأوسع صدرًا
لحاجاتهم، وأكثر حرصًا على أن يجعل مما علّمه الله
له نفعًا يصل إليهم.
إذا تحدث عن العلم، شعرت أن وراء الكلمات إنسانًا
يؤمن بما يقول، وإذا تحدث عن القانون، أدركت أنه لا
يراه مجموعة نصوص جافة، بل رسالةً تتصل بحياة
الناس وحقوقهم ومصالحهم وعدالتهم.
صاحب رحلة علمية ومهنية كبيرة امتدت بين مصر
والإمارات،من أكاديمية شرطة دبي إلى جامعة الشارقة
ثم مستشارًا قانونيًا أول بديوان صاحب السمو حاكم
دبي، … قبل أن يعود إلى بيته المفضل؛ قسم القانون
التجاري والبحري - بكلية الحقوق - جامعة المنصورة.
رحلة لم تكن مجرد انتقال بين مؤسسات ومناصب،
بل كانت انتقالًا بين تجارب صنعت عقلًا قانونيًا ناضجًا؛
فعاش القانون في قاعات الدرس، وفي مواقع المشورة،
وفي ميادين التشريع والتطبيق.
بل كان يعتز بالثقة في علمه وخبرته، ويرى في تكليفه
تشريفًا ومسؤوليةً ..حينما أُسند إليه صياغة مشروع
{قانون الشركات التجارية} في دولة الإمارات العربية
المتحدة، .. في شهادةٍ رفيعة على رسوخ علمه، وعمق
خبرته، …. وثقة المؤسسات القانونية في قدرته على
الإسهام في صناعة التشريع.
يؤمن بأن النص القانوني لا تكتمل حياته إلا حين يخرج
من الورق إلى الواقع، ولهذا آمن دائمًا بفكرة المنهجية
القانونية؛ أن يتعلم الطالب كيف يفكر قبل أن يتعلم
ماذا يقول، .. وكيف يصل إلى الحكم القانوني قبل أن
يحفظه، وكيف ينظر إلى النص بعين الفقيه، ويراه في
المحكمة بعين الممارس.
فكان ومازال حريصاً .. أن يتجاوز بطلابه حدود المدرج
الجامعي، إلى المحاكم ومواطن التطبيق العملي؛ حتى
تلتقي المعرفة النظرية بالحياة العملية، وتمر القاعدة
القانونية … من سطور على الورق إلى ملكةٍ في العقل
ووعيٍ في الممارسة، فكأن شعار مدرسته؛ علمٌ لا ينفصل
عن الواقع، ومنهجٌ لا ينفصل عن الإنسان.
أما عن مؤلفاته، فهي فصل آخر من فصول هذه الرحلة
ففي القانون الإماراتي، .… والقانون التجاري والبحري
والجوي، .. فقد ترك إنتاجًا علميًا ثريًا،
ومن أبرز مؤلفاته
قانون الشركات التجارية الإماراتي، …. و مبادئ قانون
المعاملات التجارية … و قانون الطيران المدني لدولة
الإمارات العربية المتحدة، وانحراف السفينة عن خط
السير.
1- https://www.darelahram.com/books/الشركات-التجارية-في-دولة-الامارات-العربية-المتحدة
3- https://www.darelahram.com/books/الموجز-في-الشركات-التجارية-لدولة-الامارات-العربية-المتحدة
4-https://www.darelahram.com/books/مبادئ-المعاملات-التجارية-لدولة-الامارات-العربية-المتحدة
5- https://www.darelahram.com/books/انحراف-السفية-عن-خط-السير
فضلاً عن رائعته الفريدة:
المنهجية القانونية بين النظرية والتطبيق.
https://www.darelahram.com/books/المنهجية-القانونية-بين-القواعد-النظرية-والمهارات-التطبيقية
لكن ما يميز كتبه ليس كثرة المعلومات وحدها؛ بل تلك
القدرة الجميلة على جعل العلم قريبًا، فلا يشعر طالب
القانون أمام كتبه أنه يقف أمام جبلٍ من المصطلحات
بل يشعر أن أستاذًا جلس إلى جواره، وأخذ بيده، وقال
له: تعال… لنفهم الأمر معًا.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تمتد آثار مؤلفاته إلى جامعات
ومؤسسات علمية في عدد من البلدان العربية، وأن
تظل حاضرةً في تدريس القانون والبحث فيه حتى الآن.
لكن… يبقى الدكتور الإنسان ،
ذلك الإنسان الذي إذا قصده محتاج، لم يسأله أولًا ماذا
سيعطيه، بل بحث له عن بابٍ يُفتح، أو طريقٍ يُسلك،أو
كلمةٍ طيبة تخفف عنه.
يقضي حوائج الناس في هدوء، ويعين من يستعين به
دون أن يشعره بأنه مدين له، ويفرح لنجاح الآخرين
وكأنه جزء من نجاحه هو.
وهذه أشياء لا تُكتب في السيرة الذاتية، ولا تُمنح معها
الألقاب، ولا تُقاس بعدد الأبحاث والمؤلفات فهذه أشياء
لا يعرفها إلا من اقترب منه.
ولذلك أحبه طلابه، وأحبه زملاؤه، وأحبه كل من مرّ في
حياته ووجد عنده قلبًا يتسع الجميع.
إنهم لا يتركون وراءهم فراغًا…بل يتركون أثرًا.
وهنا تتشرف #دار_الأهرام_للإصدارات_القانونية
بأنها كانت،
في جانب من هذه المسيرة العلمية المباركة، تلك اليد
التي حملت الشمعة؛ إيمانًا منها بأن نشر العلم ليس
تجارةً في الكتب فحسب، وإنما رسالةٌ في صناعة الوعي
وحفظٌ لعطاء العلماء، وإيصالٌ لفكرهم إلى أجيالٍ لم
تجلس في مجالسهم، لكنها تستطيع أن تلتقي بهم بين
صفحات كتبهم.
وحين نحتفي بالدكتور مصطفى البنداري ،فنحن نحتفي
بمدرسةٍ في العلم، وسيرةٍ في العطاء، ..وأخلاقٍ تسبق
الألقاب، … وإنسانٍ جعل من القانون علمًا، ومن العلم
رسالة، … ومن الرسالة طريقًا لخدمة الناس.
أستاذنا الجليل…
دام علمكم نورًا لطلابكم، ودام عطاؤكم ممتدًا دائماً
في ساحات العلم، ودامت أياديكم عامرةً بالخير، وظلت
كتبكم حاضرةً في مكتبات القانون،…. وظل أثركم في
نفوس من عرفوكم أجمل من كل لقب، وأبقى من كل
منصب.










