حين يكون العلم سيرةَ عمر ..
ليس من اليسير أن تُكتب سيرة رجلٍ أفنى عمره في العلم، دون أن يخشى الكاتب أن تظلمه الكلمات؛ فبعض الرجال
لا تُقاس حياتهم بما مرّ عليهم من السنين، وإنما بما تركوه وراءهم من أثر، وما أودعوه في عقول تلاميذهم وباحثيهم من نورٍ لا ينطفئ.
ومن هؤلاء يأتي الأستاذ الدكتور محمد محمد عبد اللطيف، أستاذ القانون العام المتفرغ - بكلية الحقوق – جامعة المنصورة؛ رجلٌ مضى في طريق العلم هادئًا، لا يطلب من المعرفة زينةً ولا من الشهرة غاية، وإنما يرى في العلم حقًّا يجب أن يُؤدّى، وأمانةً ينبغي أن تُحمل إلى أصحابها.
وقد كان طريقه إلى العلم طويلًا، بدأ من جامعة القاهرة، حيث حصل على ليسانس الحقوق، ثم واصل دراسته في القانون العام والعلوم الإدارية، حتى حملته الرحلة العلمية إلى فرنسا، فدرس القانون العام الاقتصادي بجامعة ديجون، ثم حصل منها على دكتوراه الدولة سنة 1983، في رسالة حازت تقدير المركز الفرنسي للقانون المقارن بباريس.
ثم عاد إلى مصر، وما عاد إليها بعلمٍ يدخره لنفسه، وإنما بعلمٍ أراد له أن يعيش بين الناس.
تدرج في وظائفه الجامعية حتى بلغ درجة الأستاذ، ثم أصبح أستاذًا متفرغًا منذ عام 1999، وظل طوال هذه السنين وفيًّا لرسالته: أن يعلّم، وأن يبحث، وأن يفتح للذين يأتون بعده أبوابًا لم تكن قد فُتحت لهم من قبل.
وليس عجيبًا، بعد ذلك، أن تمتد آثاره العلمية في أكثر من مئة مؤلف وبحث ودراسة؛ فقد كتب في القانون الدستوري والإداري، والقانون المالي والاقتصادي، والقضاء الدستوري، والخصخصة، والمرافق العامة، والطاقة النووية والمتجددة، والبيئة وتغير المناخ، والتنمية المستدامة، وقانون الخدمة المدنية وقارنه بقانون العمل ، وضمانات الدولة الشخصية للمشروعات … ثم مضى إلى موضوعات العصر الجديدة؛ كالذكاء الاصطناعي، والعملات الافتراضية، والتحول الرقمي، والأصول الرقمية، والعمل عن بُعد، والأنشطة الفضائية.
1- https://www.darelahram.com/books/قانون-الخدمة-المدنية-وقانون-العمل-الجزء-الاول
2- https://www.darelahram.com/books/قانون-الخدمة-المدنية-وقانون-العمل-الجزء-الثاني
3- https://www.darelahram.com/books/دعاوى-المناخ
4- https://www.darelahram.com/books/قانون-الطاقة-المتجددة
5- https://www.darelahram.com/books/القانون-الحي-ورقابة-الدستورية
6- https://www.darelahram.com/books/القرار-الاداري-الاصول-النظرية-والمشكلات-العملية
7- https://www.darelahram.com/books/جزاءات-سلطة-تنظيم-الاسواق-المالية-وضمانات-المحاكمة-المنصفة
8- https://www.darelahram.com/books/ضمانات-الدولة-الشخصية-للمشروعات
9- https://www.darelahram.com/books/قانون-الانشطة-الفضائية
10- https://www.darelahram.com/books/قانون-التنمية-المستدامة
11- https://www.darelahram.com/books/موسوعة-القانون-النووي
وهنا تبدو لنا خصلة من أجلّ خصال العالم الحق: أنه لا يعيش في عصره وحده، وإنما يحاول أن يرى العصر الذي سيأتي بعده.
فليس العالم من يحفظ ما قيل، وإنما من يستطيع أن يسأل عما ينبغي أن يُقال. وليس الأستاذ من يملأ أذهان طلابه بالمعلومات، وإنما من يعلّمهم كيف يفكرون حين تنتهي المعلومات.
وقد كان للدكتور محمد عبد اللطيف، إلى جانب عطائه في البحث والتدريس، حضور في الحياة العلمية والمجتمعية، ومشاركة في المؤتمرات والندوات، … وإشراف وتحكيم للرسائل والأبحاث، وإسهام في عدد من القضايا التشريعية والعلمية؛ فكان علمه متصلًا بالحياة، وكان القانون عنده شيئًا يتجاوز صفحات الكتب إلى واقع الناس ومصالحهم ومستقبل أوطانهم.
ولعل أجمل ما في هذه السيرة أنها لا تحكي قصة أستاذٍ جمع الكتب والمؤلفات، وإنما تحكي قصة عمرٍ تصالح مع العلم؛ أعطاه من وقته وجهده، فأعطاه العلم مكانةً في ذاكرة تلاميذه، ومكانًا في المكتبة القانونية العربية.
وفي #دار_الأهرام_للإصدارات_القانونية، ونحن نتشرف بأن تحمل مطبوعاتنا بعضًا من ثمار هذا الفكر، نشعر أن الكتاب الذي يصدر عن عالمٍ بهذه القامة ليس مجرد كتاب جديد يُضاف إلى رفوف المكتبات؛ وإنما هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الوفاء للعلم، وحفظٌ لثمرة تجربةٍ جديرة بأن تصل إلى أجيالٍ لم تعاصر صاحبها، ولكنها تستطيع أن تجالسه في صفحات كتبه.
وما أكرم أن يطول عمر العالم، ثم يظل العلم في يده حيًّا، وما أجمل أن يبلغ الإنسان من العمر ما بلغ، ثم يبقى في قلبه متسعٌ لسؤال جديد، وفي عقله متسعٌ لفكرة جديدة، وفي قلمه قدرةٌ على أن يمنح الباحثين شيئًا مما وهبه الله من علم وتجربة.
أستاذنا الجليل الدكتور #محمد_عبد_اللطيف،
إننا لا نملك أمام هذا العطاء إلا كلمة وفاء، وقد تكون كلمات الوفاء أقل من أن تؤدي حق أصحابها؛ ولكن حسبنا أن نقول إن ما كتبتموه لم يعد ملكًا لكم وحدكم، فقد صار بعضًا من الذاكرة القانونية، وزادًا للباحثين، ورفيقًا لكل من قصد أبواب العلم يلتمس فيها طريقًا إلى الحقيقة.
نسأل الله أن يسبغ عليكم ثوب الصحة والعافية، وأن يبارك في عمركم وعلمكم، وأن يديم عليكم صفاء العقل ونور البصيرة، وأن يجعل ما قدمتموه وما تقدمونه علمًا نافعًا، وأثرًا باقيًا، وصدقةً جاريةً في عقول الأجيال من بعدكم.
وإن كان للعلم أبناءٌ أوفياء، فأنتم ممن أحسنوا صحبته، وأدوا أمانته، وتركوا له في الناس ذكرًا طيبًا.
دمتم للعلم أستاذًا، وللباحثين مرجعًا، وللأجيال القادمة أثرًا لا يغيب.
مع خالص المحبة والتقدير والامتنان،











